Addatu Kelb: Mecmua Kasasiyye
تأليف
أحمد عبد الواحد
الرحيلبعد أن أم الناس في صلاة العشاء، خرج الشيخ سليم من المسجد قاصدا داره، وفي الطريق عرج على دكان بقالة مجاور، فاشترى عددا من الأرغفة وقطعتين من الجبن الأبيض ومثلهما من الحلاوة الطحينية وعبوة شاي وكيسا من السكر. قبل أن يهم بصعود منزله استوقفه شاب ملتح، تبادلا الحديث لبعض الوقت، ثم انفرد الشيخ بالحديث، تحول الحوار إلى محاضرة، وبعد فترة قصيرة كان الشاب قد تملكه الضجر أو أعوزته الحجة، فحول بصره عن الشيخ وأخذ يتلفت يمينا ويسارا، ثم استأذن فجأة في الانصراف، وظل يحوقل بصوت مسموع حتى غاب عن الأنظار.
دقائق هي التي قضاها الشيخ سليم في منزله بعدها خرج يحمل كيسا في يده، واتخذ طريقه صوب الكوبري الجديد، ثم سار عدة خطوات بمحاذاة الترعة الكبيرة، وأمام عشة صغيرة على شاطئها وقف ينادي على خميس الأعرج، وكرر النداء مرات ولم يجبه أحد، فافترش الأرض وأخرج مسبحته.
غير بعيد، ومن بين عيدان الغاب خرج خميس الأعرج مستندا إلى عكازه يجاهد للإسراع بالعودة إلى عشته، وما إن وقع بصره على الشيخ سليم حتى أقبل عليه مهللا واتخذ مجلسه إلى جواره. - سامحني يا مولانا. أيعقل أن تتنازل فتأتي لزيارتي كل يوم حاملا معك الخير كله، وأتخلف أنا عن موعدك؟! لقد انزويت بعيدا عن أعين المارة ونزلت للاستحمام في الترعة، ويبدو أنني لست معتادا على النظافة، فما إن ارتديت ملابسي واستلقيت على ظهري منتعشا حتى غفوت في مكاني.
رد الشيخ مبتسما: الحمد لله أنك بخير. لقد تركت الكيس بالداخل.
ثم نهض وألقى السلام على خميس، وهم بالانصراف. استوقفه خميس قائلا: ألم يحن الوقت بعد كي تتزوج يا شيخ سليم؟ - الحمد لله على ما أعطى. - لكنني أشتاق «للطبيخ» يا مولانا.
بعد أن فرغ الشيخ سليم من تناول طعام عشائه، نهض فأعد لنفسه كوبا من الشاي، ومد يده لخزانة كتبه العامرة فأخذ كتابا، ثم جلس حيث مكانه المفضل على أريكة وضعت تحت نافذة الحجرة، واستغرق في القراءة. بعد مدة أحس بثقل جفنيه وأخذ رأسه يتساقط من حين لآخر، فنهض كي يتوضأ عله يستعيد نشاطه، وحانت منه التفاتة نحو النافذة، فاتسعت عيناه وتسمر في مكانه. على البعد أبصر ألسنة من اللهب تتصاعد من إحدى القرى القريبة، استنتج أن نيرانا تبدو من مسافة بعيدة بهذا الحجم لا بد وأن تكون صادرة عن حريق هائل. دعا الشيخ ربه أن يلطف في قضائه، وتوكل على الله فارتدى حذاءه وخرج مسرعا إلى الشارع. تلفت يمينا ويسارا، كان الليل قد انتصف وخلت الشوارع تماما من المارة. فكر الشيخ أن يستخدم مكبر الصوت في المسجد لدعوة الناس لنجدة جيرانهم، لكن الأمر على هذا النحو سوف يستغرق وقتا طويلا. توقف للحظات ثم نادى بأعلى صوته يستغيث بأسماء شباب عهد فيهم الصلاح والمروءة، ففتح الناس نوافذهم يستطلعون ما يحدث، وهرع غالبية من ناداهم من الشبان وأحاطوا به يتساءلون. وبعد أن تجمع عدد كاف من المتطوعين، قادهم الشيخ نحو القرية المشتعلة.
