Ademu'l-Cedid: Rivaye İctimaiyye Asriyye
تأليف
نقولا حداد
إهداء الروايةإلى الفقيد العزيز مؤسس الهلال
يا غائب الصورة وحاضر الخبر.
ويا فاني المادة وخالد الأثر.
أمام خبرك وأثرك المجيدين ينحني كاتب هذه السطور؛ احتراما وتوقيرا.
أبيت إلا أن تستريح الراحة الخالدة بعد أن طرحت من يدك الريشة التي كملت بها تصوير مدنية العوالم الشرقية في جميع أدوارها، حتى إذا تناول تلك الريشة أحد بعدك، فلا يجد مكان قطرة منها في تلك الصورة الجميلة.
وما تركت الهلال المنير إلا وقد ربيت له رساما يرسم فيه صورا جديدة للمدنيات الغابرة والحاضرة، ولكنك تركت في آخره فراغا لا يدري أحد سواك كيف يملؤه.
كنت تملأ ذلك الحيز بصورة الماضي، فإذا كنت تأذن لصديق وفي أن يملأه بعدك، فاقبل منه هذه الصورة من صور الحاضر، فإن رسوم الفضائل التي فيها منسوخة عما اتصفت وعلمت، ورسوم الرذائل عما ترفعت وحذرت.
نقولا الحداد
مقدمةصراع الحق والقدرةفي الهيئة الاجتماعية قوتان تتصارعان: الحق والقدرة، كلاهما قوي:
الحق يريد الإنصاف ليرضي الضمير.
القدرة تريد الأثرة لتشبع الطمع.
الحق يبتغي أن تكون الشريعة فوق الإنسان.
القدرة تبتغي أن يكون الإنسان فوق الشريعة.
فهو يسلح الضعيف بالقانون ليرد القوي عنه.
وهي تقيد الضعيف بالقانون ليستحكم القوي منه.
الحق ينمي الطبيعة الملكية في الإنسان.
والقدرة تنمي الطبيعة البهيمية فيه.
فهو يحول الذئب إلى إنسان.
وهي تحول الإنسان إلى ذئب.
الحق يبني ارتقاء الجماعات كلها معا على مستوى واحد.
والقدرة تهدم جماعة لتبني بأنقاضها جماعة أخرى.
هذه الرواية مصرع يتصارع فيه آدمان - آدم الحق وآدم القدرة - والقارئ شاهد عيان، وضميره حكم، والتاريخ يدله على أي المصارعين فائز أخيرا.
نقولا الحداد
مصادفات قاهرةفي الساعة الأولى بعد الظهر كانت أربع فتيات يتراكضن في ميدان «العتبة الخضراء» بمصر؛ لكي يدركن ترام العباسية، فأدركنه وهو يكاد يتحرك، ودخلن إلى المقعد الأخير منه، وكان جالسا عليه فتى فأصبحن معه خمسة أنفار على مقعد واحد.
على أن الفتى قلص جنبيه والفتيات تحاشدن جهد طاقتهن حتى وسعهن المكان، وكانت الأخيرة منهن أجهدهن في التقلص؛ لكيلا تحتك بالفتى، ولكن ما بلغ القطار جانب حديقة الأزبكية حتى لم تعد الفتاة تطيق تقلصا، فالتفتت إلى الفتى وخاطبته بالإفرنسية متلجلجة متوردة الوجنتين: هل تتفضل بأن تنتقل إلى المقعد الثاني؛ لأننا أصبحنا هنا خمسة أنفار؟ - عفوا مولاتي، هل كنتن تجهلن عددكن قبل أن ركبتن القطار؟ - لم نكن نجهله، ولكن بوق الكمساري لم يمهلنا حتى نتخير مقعدا واحدا لنا جميعا، فاحتشدنا هنا على أمل أن يتفضل خامسنا من نفسه بإخلاء المكان. - لماذا أكون يا سيدتي الخامس الذي يخلي المكان مع أني لست دخيلا عليكن؟
