Ahmed Urabi ez-Zaimü'l-müftera aleyh
تأليف
محمود الخفيف
الإهداءإلى الأشبال النواهض الميامين من شباب هذا الجيل، في وادينا المبارك، وفي الأقطار العربية الشقيقة أهدي سيرة هذا الزعيم المصري الفلاح، الذي جاهد في سبيل الحق ومات على دين الحق، والذي آن أن ينصفه التاريخ وأن يحدد له مكانه بين قواد حركتنا القومية.
محمود الخفيف
مقدمةكان المصريون إلى عهد قريب يذكرون اسم عرابي فلا يبتعث هذا الاسم - وا أسفاه - في أذهانهم إلا صور العنف والنزق، وتراهم - وإن لم يقصدوا - يقرنون اسم عرابي بمعاني الهزيمة والاحتلال والمذلة، كأن هذه المعاني من مرادفاته.
وما أذكر مجلسا تطرق الحديث فيه إلى عرابي إلا وسرت في الوجوه كآبة، وتسابقت الألسن إلى الهزء به وتعديد مساوئه وإبراز مثالبه، اللهم إلا قلة لا يعجبهم هذا الكلام، ولكنهم لا يعرفون كيف يدفعون عنه هذا الظلم ...
وكنت أبدا أحد المخالفين الذين يحسون في قرارة أنفسهم أن الرجل مظلوم وأنه مفترى عليه، وكنت أسأل نفسي دائما: أما آن للتاريخ أن ينصف هذا المصري الفلاح، وأن يحدد له مكانه بين قواد حركتنا القومية؟
والحق أنه قل أن نجد في رجالنا رجلا ضاعت حسناته في سيئاته كما ضاعت حسنات عرابي فيما افتري عليه من سيئات، كذلك قل أن نجد في رجالنا رجلا كرهه أكثر بني قومه مضللين، واستنكروا أعماله جاهلين، بقدر ما كره هؤلاء عرابيا، واستنكروا ما فعل وما أسند إليه من الأعمال زورا وإفكا، وفي ذلك دليل قوي على أن التاريخ قد يظلم عامدا كما قد يخطئ غير عامد، وفيه كذلك دليل على أن الأمور كثيرا ما تجري فيه كما يشاء الحظ لا كما يكون العدل والقسطاس، فيكون نصيب بعض الرجال من التعظيم والتوقير بقدر ما يتوافى لهم من حظ لا ندري كيف اتفق لهم دون غيرهم، بينما يجني على كثير من ذوي النفوس الصحيحة والعظمة الصادقة ما يلحق بهم من سوء الطالع وما يحيط بهم من نحس الأيام ...
وما كان عرابي فيما أعتقد إلا طالب حق يلحق به في طلب الحق الخطأ والصواب كما يلحق بغيره، ولعلي استطعت أن أجلو ذلك في سيرته بقدر ما وصلت إليه من الأدلة في تلك السيرة التي بالغ كثير من ذوي الأغراض في تشويهها والحط من قدر صاحبها.
ومهما يكن من الأمر فما أحسب أن في الناقمين على عرابي من يستطيع أن يماري في أنه كان زعيم حركة وداعية فكرة وأنه - أخطأ أو أصاب - كان مخلصا فيما يفعل أو يقول، وأنه قبل ذلك كله وفوق ذلك كله كان أول مصري فلاح في مصر الحديثة نجم من بين عامة الفلاحين في قرية من قرى مصر فاضطلع بقضية من القضايا الوطنية الكبرى، ونادى على رأس المنادين بمطالب مصر، وصار اسمه في ظرف هام من ظروف نهوضها علما على الجهاد ورمزا للمقاومة ومثلا للقومية حتى شاءت الأقدار فامتشق الحسام وسار على رأس جيش من بنيها الفلاحين يذود عن أراضيها ويقف غير طامع ولا هازل في وجه الغادرين الباطشين من أعدائها.
