Akva mine'l-hubb
تأليف
صلاح الدين ذهني
تمهيدقارئي العزيز ...
أسائل نفسي وأنا أكتب هذه السطور: هل من الخير أن يقول الإنسان كل الحق؟! ولمن يجب أن يقول هذا الحق، إذا كان من الخير أن يقوله؟
إنني أستطيع أن أملأ بضع الصفحات المحددة للمقدمة في حديث لا يغنيك ولا يضيرني عن تاريخ القصة، وعن مكانها في الأدب، وعن تطورها، وعن عشرات المواضيع التي لا تتصل من قريب ولا بعيد بما سوف تقرؤه بعد لحظات حين تنتهي من هذه السطور. فعلمك بتطور القصة ومكانها في الأدب لن ينفع شيئا في تهيئتك لقراءة قصة. إن كتابا في تاريخ الموسيقى قد يفيدك في الحديث عن لحن أو موسيقار، ولكنه لن يسيغ في أذنك نغما باردا ولو كان مؤلفه موضوع فصل كامل بين تاريخ المؤلفين.
إن الذي ينفعك في سماع اللحن السخيف والنغم البارد - إن كان هناك نفع أو أمل في النفع - هو التهيئة الصالحة لسماع هذا اللحن؛ كأن تدرك مثلا أنه يصور سخفا في الحياة، أو اضطرابا فيها، أو معنى باردا من معانيها ...
وهذه هي مهمة المقدمة التي أريد أن أكتبها لك.
فهذه القصص التي بين يديك، والتي ستقرأها بعد حين إن كنت من الصابرين، تحتاج مني إلى تهيئة وإعداد، كما تحتاج منك إلى جلد وسماحة طبع.
إن فيها قصصا رضيت أنا عنها، وأخرى رضي عنها قراء، وثالثة رضي عنها أصحاب صحف ومجلات ... ولكن ليس فيها قصة واحدة رضي عنها الجميع.
قصة «أقوى من الحب» مثلا عانقني عليها أحد الأصدقاء وأطنب في إطرائها، ثم تبينت بعد حين أن كل ما أعجبه فيها، هو أن الزوج بطل القصة عاد إلى زوجته بعد فترة من شرود العاطفة، ولحضرة المعجب الفاضل شقيقة كان زوجها قد هجرها حينا عاشت فيه عبئا على أخيها ثم عاد منذ أيام؛ أي إن المسألة كلها ظروف شخصية تتصل بجيبه، لا بتفكيره الأدبي وذوقه الفني!
وقصة «المغفل الثالث»، وهي قصة شاب وقع في حبائل غانية أمهر من غيرها. هذه القصة أعجبت عددا من القراء لا بأس به، ولست بحاجة لأن أحدثك عن الأسباب؛ فستعرفها بعد قراءتها، وأغلب الظن أنها ستروقك أنت أيضا.
وقصة «شارع الذكريات» لم يشاركني في الرضا عنها إلا شاب مهذب مجروح! جرح قلبه ذات يوم والتأم الجرح، ثم بقي الأخدود تسير فيه ذكرياته، كما سارت ذكرياتي في الشارع القديم.
وهكذا لو شئت أن أحدثك لوجدت أن دافع الإعجاب دائما عامل شخصي، لا تدخل فيه عوامل الفن، ومطابقة القوانين، ومراعاة المناهج. هذه العوامل إنما تقرر رأي الناقد لا القارئ، وإن رأي القارئ أيضا - كما ترى - رأي ذاتي في أغلب الأحيان، فهل ينقص ذلك من قيمته؟
