Ala difafi'n-Nil: Fi asri'l-feraine
تأليف
محمد مبروك نافع
أيها المصريون ... إنكم أنبل الوارثين لأقدم مدنية في الأرض ...
سعد زغلول
مقدمةالماضي سجل حافل بالمفاخر والأخطاء، والأمم التي تجهل ماضيها لا تأمن العثرات في مستقبلها، لكنها من دراسة تاريخها تستخلص العبر من أخطائها الماضية، وتستمد الوحي من مجدها التليد.
من أجل ذلك أحاول في الصفحات التالية أن أرسم بالقلم السريع صورا، أستعرض بها حوادث التاريخ المصري القديم التي مثلت «على ضفاف النيل» في خلال سبعة آلاف من السنين.
وإني لأرجو أن أكون قد وفقت إلى وضع حجر في بناء الثقافة العتيد.
محمد مبروك نافع
هليوبوليس في ديسمبر سنة 1929
الفصل الأول
مصر في فجر التاريخ (...-3400ق.م)في ظلمات القرون الغابرة
أرجع البصر إلى الوراء بضع عشرات من آلاف السنين، وتعال معي نجول جولة سريعة في أنحاء العالم.
انظر، ها هي أمريكا النائية لا تجد للإنسان فيها أثرا.
وها هي آسيا، ماذا ترى؟ أناسا عرايا يروحون ويجيئون يبحثون عما يأكلون من أعشاب وثمار وجذور، أو يصطادون الحيوانات ليأكلوا لحومها نيئة.
وتلك هي أوروبا، هل ترى كيف يغطي الجليد سطحها؟ انظر! تلك المساحات الهائلة من الجليد تتحرك ببطء إلى الجنوب، إنها تقصف الأشجار الضخمة، وتحطم الصخور العظيمة، وتكتسح أمامها آلاف العالمين.
تعال معي الآن إلى أفريقيا، ها هو ذا نهر النيل، إنه ينساب من الجنوب إلى البحر، حيث تذوب كتل الثلج الأوروبية الهائلة فلا تصل إلى مصر. إنه ينحت طريقه وسط الهضاب. إنه يلقي رواسبه على الجانبين. انظر إلى هذه الهضاب التي تحف الوادي، هل ترى سكانها كيف يصطادون الحيوانات، ويجرون وراءها في كل ناحية؟! ها هم قد وصلوا إلى الوادي وهبطوا إليه. لقد وجدوا في الوادي حيوانات صيد بديعة. لقد استقروا في الوادي وآثروا البقاء فيه. إن ورودهم يزداد على مر الأعوام.
أتدري من هم أولئك الصيادون الذين انتقلوا من الهضاب؟ إنهم أجدادنا معاشر المصريين. أما حكايتهم فسنرويها لك في الصفحات التالية، في خلال سبعة الآلاف سنة الماضية، فهي أقدم وأطول وأمجد حكاية رواها التاريخ.
في أفق المدنية
لما هبط أولئك الصيادون الوادي، وجدوا الجو معتدلا والتربة خصبة، وشاهدوا كثيرا من الأشجار والنباتات، فتركوا الصيد وبدءوا يستلذون الخضر، ثم استطاعوا في النهاية أن يستنبتوا القمح والشعير وغيرهما من النباتات، في وقت لم يكن يعرف فيه إنسان في الأرض عن الزراعة شيئا، واضطرتهم مهنة الزراعة التي احترفوها إلى الاستعانة بالحيوانات، فكانوا أول من استأنس الحيوانات في العالم.
