Alamu Cuha
تأليف
محمد فريد أبو حديد
الفصل الأولمضى علي أربعون عاما وأنا على هذه الأرض، وها أنا ذا أنظر إلى ورائي، إلى هذه السنوات الطويلة، فأرى أقصاها كأنه الأمس القريب لم تمض عليه إلا ليلة، فما معنى الزمان وما معنى السنوات التي نعدها؟ ما زلت أنا جحا الذي عرفته في سن العشرين والعشر، لم يتغير مني شيء سوى أن صلب عودي وجمدت مفاصلي وزدت في الطول والعرض شيئا، وما زلت أغضب وأرضى وأحب وأكره، وأندفع مع حماقة البشرية كما كنت أفعل صغيرا. إن الحكمة لم توهب للبشر وإن كانوا يدعونها.
لقد كنت أحسب أن الأربعين إذا بلغتها توفي بي على سن الكمال؛ فإنها السن التي كان الأنبياء يبعثون فيها. ولكني لم أجد في نفسي تبدلا وقد بلغتها؛ فما زلت كما كنت حائرا خائبا أهيم في خيالي، ولا أعرف من أمور الحياة أمرا.
لقد تعودت أن أصارح نفسي ولا أخادعها، وأنظر إلى عيوبي فلا أسترها، ولست أدري كلما تأملت أحوالي، أأبكي أم أضحك منها. لست أحسن في الحياة إلا أن أهيم فيها على وجهي قانعا بما تقع عليه عيناي من مجالي هذا الكون العجيب الذي يهزني بجماله وجلاله. فإذا غمرتني الهزة أنطقتني قائلا: «سبحان ربي!» وأبعد في التأمل حتى أغيب عن وعيي. والناس ينظرون إلي وهم يسعون ويكدون ويتزاحمون على ما أسميه حطام الدنيا، فأراهم يمضون عني ويبسمون سخرا، فأوشك أن أسخر منهم وأضحك من جهالتهم، ولكني أعود سريعا إلى نفسي فأردها عن السخرية؛ فإني لا أدري أأنا خير منهم أم هم خير مني.
وأضيق أحيانا بما ألقاه في مصبحي وممساي، وأنكر ظلم الأحياء، وأمتلئ عليهم بالحنق أحيانا، فإذا ما أذهلتني ضربات الحياة وعثراتها وقفت بين الناس أضحك حتى يتحلقوا حولي ويضحكوا لضحكي. فإذا نطقت بما في قرارة قلبي حسبوا أنني أهرف وأخلط فيزدادون مني ضحكا. أهذا قضاء الله الذي قدره لي؟
لم يهب لي الله ما وهبه لهؤلاء الذين يضطربون في الحياة فيصارعونها، لم يهب لي مالا أسند إليه ظهري، ولا حيلة أكيد بها وأعتمد عليها، ولا جمالا في خلقتي ولا بسطة في قوتي. ولكنه وهب لي قلبا يحس عظمته وجلال خلقه، وكفاني هذا وحسبي!
ولست أملك من دنياي إلا هذه الدار التي خلفها لي أبي من تراث أجدادي، وقد كانت بها حديقة أدركت خضرتها في صباي، ولكنها اليوم صحراء جرداء بلقع؛ فليس بها من آثار الخضرة إلا جذوع كالحة ونخلات شعثاء، وقد تهدمت ساقيتها وكسرت قواديسها وانقطع ثمرها. ومع ذلك فإنني أحبها ولا أرضى أن أبيع منها قيراطا، وحسبي من الحديقة سعتها. بل إنني لست أرضى أن ينقطع دوران الساقية، فلا يزال الثور يدور بها ويعجبني أن أسمع نعيرها إذا صفا الليل وهدأ الكون وسطع البدر؛ فإن صوتها يقع في أذني أشهى من الألحان، وحسبي من ساقيتي نعيرها.
