Allah
تأليف
عباس محمود العقاد
تقديمموضوع هذا الكتاب نشأة العقيدة الإلهية، منذ اتخذ الإنسان ربا إلى أن عرف الله الأحد، واهتدى إلى نزاهة التوحيد.
وقد بدأناه بأصل الاعتقاد في الأقوام البدائية، ثم لخصنا عقائد الأقوام التي تقدمت في عصور الحضارة، ثم عقائد المؤمنين بالكتب السماوية، وشفعنا ذلك بمذاهب الفلاسفة الأسبقين، ومذاهب الفلاسفة التابعين، وختمناه بمذاهب الفلسفة العصرية، وكلمة العلم الحديث في مسألة الإيمان.
وكانت عنايتنا فيه بالعقيدة الإلهية دون غيرها، فلم نقصد فيه إلى تفصيل شعائر الأديان ولا إلى تقسيم أصول العبادات؛ لأن الموضوع - على حصره في نطاقه هذا - أوسع من أن يستقصى كل الاستقصاء في كتاب.
وإن موضوعا كهذا الموضوع المحيط لعرضة للتشعب والتطويل كيفما تناوله الكاتب ومن أي جانب تحراه، فلا بد فيه من إيجاز، ولا بد فيه من اكتفاء.
غير أننا تحرينا الإيجاز، وتحرينا معه أن يغنينا فيما قصدناه، وذاك هو الإلمام بأطوار العقيدة الإلهية على وجهتها إلى التوحيد، وأن تكون هذه الأطوار مفهومة العلل والمقدمات.
وإن الله الذي هدى الأمم كافة إلى هذا المنهج البعيد، لكفيل أن يهدينا إليه، وأن يوفقنا لسداد النظر فيه، فلا هداية إلا به، ولا معول إلا عليه، إنه سميع بصير مجيب.
مقدمة الطبعة الثالثةفي نهاية الطبعة الثانية من هذا الكتاب لخصنا زبدة الآراء الراجحة فيما تستطيعه العلوم الحديثة من الحكم الصادق في مسألة الحقيقة الإلهية، فقلنا: «إن العلوم الطبيعية ليس من شأنها أن تخول أصحابها حق القول الفصل في المباحث الإلهية والمسائل الأبدية؛ لأنها من جهة مقصورة على ما يقبل المشاهدة والتجربة والتسجيل، ومن جهة أخرى مقصورة على نوع آخر من الموجودات، وهي - بعد هذا وذاك - تتناول عوارض الموجودات ولا تتناول جوهر الوجود، وهو لا يدخل في تجارب علم من العلوم.»
واستطردنا في هذا التلخيص قائلين: «ولكن العالم الطبيعي يحق له إبداء الرأي بحق العقل والدليل والبديهة الواعية؛ لأنه إنسان يمتاز حقه في الإيمان بمقدار امتيازه في صفات الإنسان. أما العلم نفسه فلا غنى له عن البديهة الإنسانية في تلمس الحق بين مجاهل الكون وخوافيه، فكيف تسري المقررات العلمية بين العلماء - فضلا عن الجهلاء - لولا ثقة البديهة؟ كيف يعرف المهندس صدق الطبيب في مباحثه العلمية؟ ولا نقول: كيف يعرفها الجاهل بالطب والهندسة؟ ما من حقيقة من هذه الحقائق تسري بين الناس بغير ثقة البديهة وثقة الإيمان، وما من حقيقة من هذه الحقائق يعرفها جميع المنتفعين بها معرفة العلماء أو يمكن أن يعرفها جميع الناس كما يعرفها بعض الناس، وهي مع ذلك مسائل محدودة يتاح العلم بها لمن يشاء، فلماذا يخطر على البال أن حقيقة الحقائق الكبرى تستغني عن ثقة البديهة الإنسانية ولا يتأتى أن تقوم في روع الإنسان إلا بتجارب المعامل التي يباشرها كل إنسان؟»
