Amal ve Akdar
تأليف
ثروت أباظة
الفصل الأولأحسن أبو سريع علوان تدبير خططه لمستقبله منذ بواكير الأيام، حين كان يعمل صرافا بقرى الصعيد، واستطاع بشتى وسائل ومختلف حيل - لم يكن الشرف طابعها، ولا كانت الأمانة سنتها أو ديدنها - أن يجمع ثمن سبعة أفدنة اشتراها على مهل وعلى دفعات بقريته بالشرقية التي تسمى دلجمونة، وكان أبوه يملك من قبل ثلاثة أفدنة، حتى إذا تم له العشرة أفدنة وقر في نفسه أن عمل صراف هذا لا يليق بمكانته، وقد أصبح عينا من أعيان البلدة، وواحدا من أثريائها، وطلب تسوية معاشه، وأقام بالدلجمونة يرعى أرضه وابنه لطفي معا.
ولم يكن لطفي متقدما في دراسته، ولا كان متأخرا؛ فهو ينجح في كل عام نجاحا يفرح به أبوه كل الفرح غير ناظر مثقال ذرة للدرجات المتهافتة التي ينجح بها ولده.
وما زال يسير في دراسته، حتى حصل على بكالوريوس التجارة. وإن كان أبوه قد فرح فرحا عارما بنجاح الابن وحصوله على الشهادة الجامعية، فإن فرح لطفي كان مضاعفا عشرات المرات ليس لمجرد تخرجه، وإنما أولا وقبل كل شيء لأنه يستطيع بما ناله من شهادة أن يفلت من ربقته لأبيه الذي كان يضيق عليه في المصاريف ضيقا لا يمكن أن يتصوره أحد.
فمهما يكن صرافا، ومهما يكن لحزا شحيحا، فإن لكل بخل حدا يقف عنده. وليس ينسى لطفي يوم حصل على شهادة الثانوية العامة بتقدير يتيح له أن ينتظم في كلية التجارة، راح أبوه يبحث عن الذين نالوا الثانوية العامة في نفس العام، حتى يستطيع هؤلاء الناجحون النازحون إلى القاهرة أن يتقاسموا الغرفة الوحيدة التي سيبحث لابنه عنها في أرخص أحياء القاهرة مهما تكن بعيدة عن الجامعة.
وبالمثابرة والجهد الجهيد وجد شهيدي الأهتم وسعداوي الجرف قد حصلا هما أيضا على الثانوية العامة، وكان كلاهما فقيرا معدما، ففرح أهلوهما بما اقترحه عليهم أبو سريع أن يشاركا ابنه الغرفة، ويتقاسم ثلاثتهم إيجارها.
وليس ينسى لطفي يوم نزل مع أبيه ليبحثا عن غرفة، فإذا بهما يجدان حجرة على سطح منزل بالجيزة موقعها قريب من الجامعة، وأبى أبوه أن يستأجرها وراح يدور في أنحاء القاهرة بحثا عن حجرة أشد رخصا، وقال له لطفي يومذاك: يابا إن ما سنوفره من أجرة الحجرة سننفقه في المواصلات.
وإذا أبو سريع يجيبه في سخرية: منذ متى كان المشي يدفعون له أجرة.
وجف لسان لطفي وهو يتلعثم لأبيه: أمشي من هذه الأحياء البعيدة إلى الجامعة؟ - ومن الدلجمونة وحياة والدك.
وصمت لطفي صاغرا.
واستأجر أبو سريع غرفة في أزقة عابدين.
