Asru'l-intilak: Tarihu'l-Ummeti'l-Arabiyye (el-Cuz'u's-sani)
تأليف
محمد أسعد طلس
يشتمل على سيرة النبي الكريم
صلى الله عليه وسلم .
الباب الأولالبعثة النبوية
ينقسم عهد النبوة إلى قسمين، يتميز كل قسم منها بطابع خاص؛ فالأول منذ البعثة إلى إسلام حمزة وعمر، والثاني منذ إسلام حمزة وعمر إلى الهجرة. ويتميز كل من القسمين بطابع خاص، ونبدأ كلامنا عن القسم الأول فنقول ...
الفصل الأول
القسم الأول من العهد المكيكانت البعثة النبوية المحمدية وأول نزول الوحي في رمضان من السنة الثالثة عشرة قبل الهجرة، الموافقة لسنة 570م، وكان له
صلى الله عليه وسلم
من العمر أربعون سنة؛ قال محمد بن إسحق:
لما بلغ محمد رسول الله أربعين سنة بعثه الله تعالى رحمة للعالمين وكافة للناس بشيرا، وأول ما بدئ به الرؤيا الصادقة، وحبب إليه الخلوة، فلم يكن شيء أحب إليه من أن يخلو وحده ... وكان يجاور في غار حراء في كل سنة شهرا، وكان ذلك مما تتحنث به قريش في الجاهلية ... وكان رسول الله يجاور ذلك الشهر في كل سنة يطعم من جاءه من المساكين، فإذا قضى جواره من شهره كان أول ما يبدأ به إذا انصرف من جواره أن يأتي الكعبة قبل أن يدخل بيته، فيطوف بها سبعا أو ما شاء الله من ذلك، ثم يرجع إلى بيته، حتى إذا كان الشهر الذي أراد الله به ما أراد من كرامته من السنة التي بعثه الله تعالى فيها، وذلك بشهر رمضان، خرج رسول الله إلى حراء كما كان يخرج لجواره، حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله فيها برسالته ورحم العباد بها، جاءه جبريل بأمر الله تعالى.
قال رسول الله: «فجاءني جبريل وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب، فقال: اقرأ. قلت: ما أقرأ؟ قال: فغتني به حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني، فقال: اقرأ. فقلت: ماذا أقرأ؟ ما أقول ذلك إلا افتداء منه أن يعود لي بمثل ما صنع بي. فقال:
اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم . فقرأتها، ثم انتهى فانصرف عني، وهببت من نومي فكأنها كتبت في قلبي كتابا، فخرجت حتى إذا كنت وسط الجبل سمعت صوتا من السماء يقول: يا محمد، أنت رسول الله وأنا جبريل. قال: فرفعت رأسي إلى السماء أنظر، فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء، يقول: يا محمد، أنت رسول الله وأنا جبريل. قال: فوقفت أنظر إليه فما أتقدم وما أتأخر، وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء، فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك، فما زلت واقفا ما أتقدم أمامي وما أرجع ورائي، حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي، فبلغوا أعلى مكة ورجعوا إليها وأنا واقف مكاني، ثم انصرف عني، فانصرفت راجعا إلى أهلي حتى أتيت خديجة، فجلست إلى فخذها مصغيا إليها، فقالت: يا أبا القاسم، أين كنت؟ فوالله ، لقد بعثت رسلي في طلبك حتى بلغوا مكة ورجعوا إلي. ثم حدثتها بالذي رأيت، فقالت: أبشر يا ابن عم واثبت، فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة. ثم قامت فجمعت عليها ثيابها، ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل فأخبرته بما أخبرها به الرسول أنه رأى وسمع، فقال: قدوس قدوس، والذي نفس ورقة بيده لئن صدقتني يا خديجة فلقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى، وإنه لنبي هذه الأمة، فقولي له أن يثبت.»
