Asru'l-Me'mun
تأليف
أحمد فريد رفاعي
المجلد الأولكلمة العماد الأصفهانيإني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابا في يومه إلا قال في غده: لو غير هذا لكان أحسن، ولو زيد كذا لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل. وهذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر.
العماد الأصفهاني
إلى حضرة صاحب الدولة عبد الخالق ثروت باشا
مولاي
لله علي نعمة التوفيق إلى الاتصال بك، والانقطاع لخدمتك، والاستظلال بظلك، فأنا أحد هؤلاء الكثيرين الذين تعهدهم فضلك، وثقفهم نصحك، وهذبهم أدبك، أولئك الذين أنت لهم أب بر، ومثقف حكيم، وأستاذ رشيد.
وكنت قد أخذت نفسي بأن أقف على خدمتك ما أملك من وقت وجهد، ولكن الإنسان طلعة بطبعه، فإذا اتصل بك فلا حد لرغبته في البحث، وحرصه على الجد، وطموحه إلى الكمال، وكذلك أراد الله أن أقتطع من هذا الوقت الذي وهبته لك خالصا ما أمكنني من وضع هذا الكتاب.
فهل تأذن لي يا مولاي أن أرفع إليك «عصر المأمون» على أنه أثر يهدى إلى منشئه، وحق يرد إلى أهله، واعتراف بالجميل من رجل مهما يفعل ومهما يقل فلن يوفيك بعض ما يدين به ضميره لك من حب وإجلال.
مد الله في حياة مولاي، وجعل مستقبلها كماضيها حافلا بالجد والتوفيق في خدمة أمته وعصره ومليكه.
أحمد فريد رفاعي
أول يونيه سنة 1927
مقدمةبسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسل الله. وبعد، فإني أتقدم بهذا الأثر الضئيل من «عصر المأمون» إلى أمتي، وإلى الناطقين بالضاد من أبناء لغتي، وآمل بفضل إرشاد العلماء والنقاد أن يوفقني الله إلى إكمال النقص، وإصلاح الخطأ، وتلافي التقصير في الطبعات القادمة، معترفا في صدق وإخلاص بأن طبعتي هذه لا تعدو أن تكون «محاولة» لكتابة التاريخ العربي على النظم العلمية الحديثة، وأنت تعلم أن تاريخنا العربي لا يزال - بلا مبالغة ولا إغراق - تعوزه شتى المصادر، كما يعوزه التنظيم والترتيب والتحقيق والاستقراء.
وإني أسأله تعالى أن يجعلني ممن يذعن لكلمة الحق فيرعى حرمتها ويهتدي بهديها، غير مفتون بمدح المادح ولا مبتئس بقدح القادح.
كما أسأله أن يرشدني إلى المضي موفقا مسددا فيما أخذت به نفسي من البحث عن عصور «معاوية» و«المنصور» و«الرشيد» و«عبد الرحمن الأندلسي»، وآمل بمعونته تعالى، وبإرشاد العلماء والأدباء ومعونة المستشرقين والباحثين، وبما يهب لي الله من صبر وجلد ومواظبة ومثابرة، ومتابعة للدرس والاستقراء، وبما أوفق إليه من مصادر ونصوص، ومراجع ومظان، أن أكون عند الانتهاء من كتابة ما ارتهنت به - لو كان في العمر بقية - قد وفقت إلى تنظيم دراسة تلك البحوث تنظيما جزئيا يتفق ووسائلي ومقدوري، ويتمشى - إلى حد ما - والطريقة التحليلية الحديثة في كتابة التاريخ، وأن يكون عملي حين ذاك مما يسمح لي أن أقول في ثقة وإيمان: إني قد قمت حقا «بمحاولة» ذات أثر نافع تمكن غيري من اتخاذها أساسا لكتابة تاريخ المدنيات العربية الواسعة المدى، البليغة الأثر في الثقافات الإنسانية عامة، كتابة تاريخية صحيحة.
