Aynü'l-yakīn
سبحان من حارت لطائف الأوهام في بيداء كبريائه وعظمته، وسبحان من لم يجعل للخلق سبيلا إلى معرفته، إلا بالعجز عن معرفته. عجزت العقول عن إدراك كنه جماله، وقصرت الألسن عن وصف ثنائه، كما يليق بجلاله.
ضلت فيه الصفات، وتفسخت دونه النعوت. دل على ذاته بذاته، وتنزه عن مجانسة مخلوقاته، ذلكم الله ربكم، لا إله إلا هو، نحمده على حسن توفيقه، وسأله هداية طريقه، وإلهام الحق بتحقيقه، وقلبا موقنا بتصديقه، وعقلا نورانيا بعناية تسبيقه، ونفسا مطمئنة من الجهل وتضييقه، وفكرا ساميا عن زخرف الفاني وتزويقه، وبصيرة تشاهد سير الوجود في تغريب الدور وتشريقه، وقريحة منقادة بزمام الشرع وتوثيقه، ووقتا مساعدا بجمع الكلام وتفريقه.
والصلاة على من أوتي جوامع الكلم، وبه تم كمال مرتبة النبوة، وختم، الذي بعثه بالرسالة في الأميين، يتلو عليهم آياته ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين.
وعلى آله المطهرين من الأدناس البشرية، والأرجاس، المحفوظين في سماء قدسهم، وعصمتهم عن طعن أوهام أشباه الناس ولا ناس.
خزان العلوم والحكم، وهداة أمته للتي هي أقوم، لا سيما وصيه الذي نصبه بالنص الجلي، قطب فلك الولاية، ومركز دائرة الإمامة والخلافة، منبع الفتوة والكرم، الذي بولايته كمل الدين وتم، وصلى الله عليه وعليهم أجمعين وسلم.
** أما بعد:فيقول الحقير في عيون العقلاء، والفقير في فنون الفضلاء، محمد بن مرتضى، الملقب بمحسن، أحسن الله عواقبه: هذه رموز ربانية، أوتيتها من فضل الله، وكنوز عرفانية انتقدتها من نفائس خزائن أهل الله، وأنوار ملكوتية، اقتبستها من مشكاة المستضيئين بنور الله، وأسرار جبروتية، التمستها من هدي الراسخين في العلم من أولياء الله، قد صرفت أياما من عمري في مدارستها، متعمقا في استكشاف حقائقها، وقضيت أعواما من دهري في ممارستها، ممعنا في استطلاع دقائقها، بتمرينها مرة بعد أخرى، وتليينها كرة غب أولى، حتى ازدادت لنفسي إشراقا، واعتبارا، وضياء، واستبصارا، فكشفت عني أكنة أستارها، وتبينت لي أعلامها، ومنارها، ببراهين نورانية، أو إلهامات رحمانية، أو إشارات فرقانية، أو أمارات ذوقية وجدانية، فاطمأنت نفسي إليها، وسكن قلبي لديها، وانشرح صدري لها، كمن قد وجد ضالة له، عزيزة عليه، بلى إن الحكمة ضالة المؤمن، والحكمة أعز على أهلها من الدنيا بما فيها؛ لأنهم بالحكمة عرفوها، فاستقذروها، واستنكفوا عنها، وتركوها لأهلها وبنيها، وشمروا لما هو خير وأبقى، تشميرا.
