Bagdad Medinetu's-Selam
تأليف
طه الراوي
تمهيدبغداد
اتفقت كلمة المؤرخين وأهل اللغة على أن لفظة «بغداد» أعجمية؛ ولذلك اختلفوا اختلافا كبيرا في ضبط حروفها، شأنهم في الكثير من الألفاظ الأعجمية التي لا يهتدون فيها إلى أصل معروف، فقالوا: بغداد، وبغداذ، وبغذاد، وبغذاذ، وبغدان، وبغدين، ومغدين، وبغدام، ومغدام، وبغذان، وبهداد.
وهذا الاختلاف إما ناشئ عن أصل لفظها الأعجمي، أو إنه نشأ بعد ذلك من تحريفات العامة؛ لغرابة هذا الاسم على ألسنتهم.
وكان المتورعون من الأقدمين يكرهون إطلاق هذا الاسم على عاصمة العباسيين؛ لما في أصله من معنى الشرك؛ فزعم بعضهم أن هذا اللفظ مركب من كلمة «بغ» وهو البستان و«داد» وهو اسم صنم للعجم، وجملة المعنى «بستان صنم»، وقال بعضهم: إن «داد» اسم رجل، فيكون المعنى «بستان رجل»، وزعم آخرون أن «بغ» صنم، و«داد» عطية، والمعنى «عطية الصنم» على طريقة العجم في المتضايفين، وزعم آخرون أن «بغ» اسم صنم لبعض العجم كان يعبده و«داد» رجل.
وقال بعض المحققين: إن الاشتقاق الصحيح لهذا الاسم جاء من الكلمتين الفارسيتين القديمتين «بغ»؛ أي «الله»، و«داد»؛ أي تأسست أو «تأسيس»، فيكون جملة المعنى «أسسها الله» أو «مؤسسة الله».
وقال بعض الفضلاء المعاصرين: «إن اسم بغداد إرمي مبنى ومعنى، وهو مؤلف من كلمتين: من «ب» المقتضبة من كلمة «بيت» عندهم، وكثيرا ما تقع في أوائل أسماء المدن مثل بعقوبة ... واللفظة الثانية «كداد» بمعنى غنم أو ضأن ... فيكون مفاد «بكداد» مدينة أو دار أو بيت الغنم أو الضأن، وحيث إنه كانت هناك سوق فمن المحتمل أنهم كانوا يبيعون فيها الغنم والضأن في أول الأمر.»
وبالجملة، فإن القول في أصل اشتقاقها لا يخلو من الشك والتخمين، وليس هناك كبير فائدة في هذا الخلاف.
قال أبو حاتم السجستاني: سألت أبا سعيد الأصمعي كيف يقال بغداد أو بغداذ؟ ... فقال: قل «مدينة السلام».
وهو من أسمائها العربية، وبهذا الاسم كانت تضرب النقود العباسية، ومن أسمائها العربية «دار السلام»، وفيه إشارة إلى الآية الكريمة
لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون ، والذي يتتبع أحوال العباسيين في صدر دولتهم يجد أنهم كانوا مولعين بالتفاؤل الديني ويريدون من مدينتهم هذه أن تكون نموذجا للجنة التي وعد بها المتقون، وقد أنشئوا فيها قصرا أسموه «قصر الخلد» إشارة إلى جنة الخلد، وآخر أسموه «الفردوس» إشارة إلى جنة الفردوس. ومن أسمائها «مدينة المنصور»، و«الزوراء». وكان هذان الاسمان في أول الأمر لا يطلقان إلا على المدينة المدورة التي أنشأها المنصور أول ما أنشأ، ومن أسمائها «دار الخلافة».
