Ana içeriğe geç
İslam Arşivi الأرشيف الإسلامي İslam Arşivi

İslam Arşivi artık mobilde

Binlerce kaynağa her an, her yerden ulaşın.
Web sitemizde bulunmayan özellikleri uygulamada keşfedin.
iOS ve Android uygulamalarımız şimdi yayında!

Güvenli • Hızlı • Ücretsiz

Beyne Beyn

بين بين
Taha Huseyin
۩
بين بين
طه حسين
Deneme & Fikir
بين بين

تأليف

طه حسين

بين الأدب والسياسة

جد وهزل

نعم جد وأي جد، لك ما شئت وما لم تشأ، إن استطعت أن تظفر بجد أحزم وأصرم وأعظم وأقسى من هذا الجد الذي يلم بالحياة المصرية في هذه الأيام، فيثير في بعض نواحيها حزنا لا يشبهه حزن، وفي بعض نواحيها الأخرى سرورا لا يقاس إليه سرور.

نعم، وهزل أي هزل، لك ما شئت وما لم تشأ، إن استطعت أن تظفر بهزل أبدع أو أروع أو أخف على الروح، أو أدعى إلى الضحك، أو أقدر على التلهية والتسلية من هذا الهزل الذي يلم بالحياة المصرية في هذه الأيام، فيثير في بعض نواحيها قهقهة وإغراقا في القهقهة، ويثير في بعض نواحيها الأخرى بكاء لا يبخل أصحابه بالدموع.

وتعال معي يا سيدي فانظر عن يمين، ثم انظر عن شمال، واسمع لما يأتيك من هذا الوجه، ثم اسمع لما يبلغك من ذلك الوجه، ثم حدثني أو حدث الناس بما ترى وما تسمع إن استطعت أن تخلص للحديث، فإني أخشى أن ترى من ملكهم الحزن فتحزن، أو ترى من ملكهم الضحك فتغرق معهم فيما هم مغرقون فيه.

انظر يا سيدي إلى يمين، فسترى أصحاب الجاه الرفيع والعز المنيع والسلطان الواسع والصوت البعيد قد ردوا إلى حياة لو أنها برئت من الجاه والعز، وخلت من سعة السلطان وبعد الصوت لكانت على أصحابها شرا ونكرا، ولكنها امتلأت بالعبر التي جعلتها نكالا لما بين يديها وما خلفها، وعظة لمن يستطيع أن يتعظ، ودرسا لمن يحسن أن يفهم عن الأيام ما تلقي من دروس.

انظر يا سيدي عن يمين ؛ فسترى الإبراشي باشا كاسف البال، ضيق الصدر، شاحب الوجه، مقطب الجبين، مخفوض الرأس، مقوس الظهر، مطبق الفم، معقود اللسان، وسترى من حوله الغرور وبنات الغرور، ثم اليقظة وبنات اليقظة، وهن يتراقصن ويتبادلن فيما بينهن أحاديث عنيفة لينة فيها حزن ويأس، وفيها سخرية ودعابة، والرجل بين هؤلاء الراقصات يقظان كالنائم، ونائم كاليقظان، قد زلزلت به الأرض زلزالا شديدا، لم يتصل ولم يطل أمده، ولكن الأرض على ذلك ما زالت تدور به وتضطرب من تحته، حتى أصبح لا يملك قدرة على أن يحقق شيئا أو يثبت في نفسه شيئا، أو يفكر في شيء، أو يقدر شيئا، إنما هو داخل مأخوذ يرى هؤلاء الراقصات يضطربن من حوله، بعضهن ينتحبن ويبعثن في الجو نشيجا وزفيرا، وبعضهن يضحكن ويبعثن في الجو صياحا متصلا، فيه الرضى وفيه الابتهاج، وفيه السخر من طغيان الطغاة والاستهزاء بظلم الظالمين، والاستخفاف بهذه الآمال العذاب الكذاب، التي تملأ الإنسان غرورا وجهلا وحمقا وثقة بالنفس واطمئنانا إلى الأيام، والرجل يرى ولا يحقق، والرجل يسمع ولا يفهم، والرجل قد أخذه هذا الذهول، حتى إنه ليود لو استطاع أن ينهض فيرقص مع هؤلاء الراقصات المحزونات، أو يدور مع هؤلاء الدائرات المبتهجات؛ ولكنه واهن، خائر القوى، منهوك الجسم كما أنه منهوك العقل، قد سكن هو واضطرب من حوله كل شيء، بل سكن جسمه واضطرب في نفسه وعقله وقلبه وجوفه كل شيء.