Bi-saraha gayri mutlaka
مقدمة
بصراحة غير مطلقة
مقدمة
بصراحة غير مطلقة
بصراحة غير مطلقةتأليف
يوسف إدريس
مقدمةمشكلة هذا الكتاب في رأيي أن موضوعاته فيها رأي، وموضوعات كهذه يضعها النقاد دائما وضع مواطن الدرجة الثانية في دولة الأدب والفن، باعتبار أن هناك استحالة في وجود الرأي المباشر مع الفن. لا بد - في رأيهم - لكي يكون الرأي فنيا، أن يستحي ويتخفى تماما، ولا بد أن يظهر في العمل بطريقة غير مباشرة.
والحقيقة أني في بحر عشر سنوات طويلة، وأنا أكتب مادة هذا الكتاب، لم أكن ألقي إلى هذه المشكلة بالا، باعتبار أني أنا الآخر موقن أني أكتب للصحافة، وهي جواز مرور أمثل لأي نوع من أنواع الكتابة، وبالذات النوع القليل الفن. ولكني وأنا أراجع ال (تقريبا 600) انطباع ولمسة ورأي لأختار منها المادة التي تليق بالقدس المسمى بالكتاب، وجدت أن المسألة في حاجة إلى تفكير من جديد. وللوهلة الأولى أحسست أننا نبخس «الرأي» وأهميته بظلم واضح، وبدون تعريفات وتفاصحات كثيرة، فإن أدق مقياس للعمل الفني أو الأدبي هو أثره في «المستقبل»؛ أي القارئ أو القراء. إذا كان العمل يبعث لدى القارئ أو المتفرج إحساسا بالتفاؤل فهو عمل متفائل، رغم كل ما قد يقال عن نهاياته التعسة أو المتشائمة، والعكس صحيح تماما. أما إذا لم يتأثر القارئ بالعمل إطلاقا، فهو قطعا لا يمت إلى الفن بصلة مهما وجد فيه النقاد من رموز وتجريدات.
من هنا نستطيع القول بأن الفن ليس هو الأشكال الفنية المتعارف عليها فقط، وإنما هو كل ما يجعل «المستقبل» ينفعل انفعالا يشبه انفعاله بأي عمل فني؛ آيات الطبيعة، جلسة صادقة صريحة مع أصدقاء، «عمل» قام به أحدهم.
وهذا هو المهم، رأي لا تتحرك له عقولنا فقط، وإنما «ننفعل» له بعواطفنا ووجداننا أيضا. المشكلة إذن ليست مشكلة وجود الرأي في العمل أو عدم وجوده، المشكلة هي في الرأي نفسه، في طريقة تقديمه بحيث يصل إلى طبقات أعمق، ويحرك الوجدان. وبالمناسبة، فإني لا أطيق الحديث عن «العقل» و«العواطف» كشيئين مختلفين ؛ إن أمخاخنا لا تعمل هكذا أبدا، لا تفصل. إنها كل متكامل، كل ما في الأمر أن العقل يحدد خط وكيفية السير، والعواطف تحدد الاتجاه، بالضبط كالتكتيك والاستراتيجية. ولا يمكن أن يتحرك العقل إلا بدافع من عاطفة ما، ولا يمكن أن ينفعل الشخص بعاطفة إلا والعقل مشترك بكل قواه في الانفعال.
ونعود للرأي. حقيقة هناك آراء تساق بطريقة ميكانيكية كمسائل الحساب والجبر، ولكن بالتأكيد هناك آراء تبلغ من تحريكها لأعماق الإنسان وعواطفه مبلغا ربما يعجز العمل الفني عن الوصول إليه.
