Buhûs fi'l-milel ve'n-nihal
إن الوقوف على آراء وعقائد المذاهب المختلفة وتحليلها، ومعرفة أدلتها من أفضل أنواع الدراسة والتحقيق، فهو السبيل الأفضل لمعرفة الرأي الأصوب، والموقف الأحق بالأخذ والاتباع، وهو الأسلوب الذي سلكه القرآن الكريم في مواجهاته العقائدية مع أصحاب المذاهب والاتجاهات الفكرية المضادة وقد حث عليه إذ قال تعالى: ( قل هاتوا برهانكم) أو قال: ( الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه).
وقد كان المسلمون هم السباقين إلى هذا المنهج وهذا الأسلوب من الدراسة والتحقيق، ولهذا نرى في المكتبات والدراسات الإسلامية كتبا في الفقه المقارن، والعقائد المقارنة، وغير ذلك من حقول المعرفة والثقافة.
ونظرا لأهمية هذا الأسلوب في عصرنا الحاضر طلبت مني « لجنة إدارة الحوزة العلمية » في قم المقدسة، إلقاء سلسلة محاضرات في آراء ومعتقدات الطوائف المختلفة التي شهدتها الساحة الفكرية الإسلامية في العصور اللاحقة لوفاة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، وذلك في إطار من التحليل، والمقارنة والدراسة والتقييم، فلبيت هذا الطلب وتم بتوفيق الله تعالى إلقاء مجموعة من المحاضرات في هذا المجال، ليكون مقدمة للمرحلة التخصصية.
ثم حبذت لجنة الإدارة طبع ونشر هذه المحاضرات حتى يستفيد منه عامة
طلاب الدراسات الإسلامية، فأخرجتها في عدة أجزاء، وهذا هو الجزء الأول الذي يقدم للقراء.
فشكرا لهذه اللجنة على اهتمامها بهذه العلوم، ووفقها الله للمزيد من تقديم الخدمات الثقافية المفيدة إنه سميع مجيب الدعاء.
هذا، والرجاء من القراء الكرام تزويدنا بنقدهم البناء حتى تكتمل هذه المباحث بإذنه تعالى.
مقدمة الطبعة الثانية* مؤرخ العقائد ومسؤوليته الخطيرةالتاريخ من العلوم الإنسانية التي اهتم بها البشر منذ فجر الحضارة، وقد قام إنسان كل عصر وجيل بضبط الحوادث التي عاصرها وعايشها أو تقدمت عليه، بمختلف الوسائل من أبسطها إلى أعقدها حيث كان يسجل الحوادث، يوما بالنقش على الأحجار والجدران، ويوما بالكتابة على الجلود والعظام وجريد النخل، ويوما بالتحرير على القراطيس والأوراق حتى وصل إلى ما وصل إليه في العصر الحاضر من وسائل الإعلام والنشر.
وقد قدم بعمله هذا إلى الأجيال المتأخرة كنزا ثمينا، ورصيدا فكريا غاليا وغنيا وتجارب ملؤها العبر والدروس، والمواعظ والنصائح التي لا يوجد نظيرها في أي مختبر من مختبرات العالم سوى في هذا المختبر ( التاريخ).
