Ana içeriğe geç
İslam Arşivi الأرشيف الإسلامي İslam Arşivi

İslam Arşivi artık mobilde

Binlerce kaynağa her an, her yerden ulaşın.
Web sitemizde bulunmayan özellikleri uygulamada keşfedin.
iOS ve Android uygulamalarımız şimdi yayında!

Güvenli • Hızlı • Ücretsiz

Büzûr ve cüzûr

بذور وجذور
Zeki Necib Mahmud
۩
بذور وجذور
زكي نجيب محمود
Deneme & Fikir
بذور وجذور

تأليف

زكي نجيب محمود

مقدمة

أردت في فصول هذا الكتاب أن أتعمق حياتنا لأصل إلى جذورها التي منها انبثق جذع تلك الحياة، ثم من الجذع تفرعت الفروع وأورقت وأثمرت ثمارها؛ ثم لم أقف عند الجذور، بل مضيت في الحفر لأصل إلى البذور الأولى التي فعلت فعلها في خفاء التربة، حتى أخرجت الجذور؛ بيد أني في تلك العملية التحليلية، آثرت أن أصطنع فيما أكتبه، ذلك الأسلوب الذي دأبت على اصطناعه في كثير جدا مما كتبته خلال خمسة عقود من السنين أو ما يزيد قليلا عن هذا العدد، وهو الأسلوب الذي تمتزج فيه ذات الكاتب وخبراته وآلامه وآماله، مع الأفكار التي يراد عرضها على الناس، ومثل هذا المزج هو إحدى سمات المقالة «الأدبية»؛ فللمقالة «الأدبية» سمات كثيرة أخرى، ليس هذا مكان عرضها تفصيلا، لكن حسبنا الآن أن نذكر منها هذه السمة الواحدة؛ لأنها قد تعين القارئ على تقويم ما يقرؤه في هذا الكتاب وفي غيره مما صدر لهذا الكاتب، على أن ما قد نشره هذا الكاتب في هذا الكتاب، وفي كثير غيره، من فصول تبدو متفرقة في صورة «مقالات»، وهي في حقيقتها أجزاء من موقف واحد يستهدف هدفا أساسيا واحدا؛ أقول بأن ما قد نشره الكاتب في هذا الكتاب، تتفاوت في فصوله درجات المزج بين «ذات» وخبراتها، و«موضوع» وما يشتمل عليه من أفكار يراد عرضها؛ ومع هذا التفاوت تتفق الفصول كلها في حقيقة معينة، هي أنها «أفكار» عاشها الكاتب وعاناها، وكلها يدور حول تحليل حياتنا تحليلا يردها إلى بذورها وجذورها، لتنشأ فرصة أمام أبصار المبصرين أن ترى أين تكمن القوة وأين يكمن الضعف.

فكانت البذرة الأولى، هي حقيقة «المصري» ما هي؟ من أي العناصر تركبت «هويته» على امتداد التاريخ؟ ثم كيف نرى حياته الآن من هويته تلك، وكان مختصر الجواب أن جوهر المصري هو أن يحيا حياته الدنيا زراعة، وصناعة، وفنا، وحربا، وسلما، أن يحيا تلك الحياة الدنيا بكل أفراحها وأحزانها، على أن ينظر إليها من منظور ديني يبين له أين تتعثر به الخطى وأين تستقيم؟ ولقد تغيرت عليه العقائد الدينية، لكن بقي «التدين»، يصاحبه دائما، ولب «التدين» - مع اختلاف العقائد - هو أن ينظر إلى الحياة الدنيا من حيث هي مقدمة لحياة الخلود، وهي مقدمة ضرورية؛ لأنها تهيئ للإنسان مسرح العمل الذي على أساسه يكون له في حياته الآخرة ثواب أو عقاب، فهي - إذن - حضارة أخلاقية، من عمق أعماقها، وعند هذا الأساس العميق تتلاقى مصر مع سائر أجزاء الوطن العربي الكبير، كما تتلاقى معه بعد ذلك في سائر المقومات الحضارية.