Cebertiyyu's-Sittinat
تأليف
يوسف إدريس
كلمةلم أكن في نيتي أن أفعل هذا، ولكن الأصدقاء والقراء تكاتفوا علي، وأرغموني إرغاما أن أصدر هذه اليوميات في كتاب قائلين - على سبيل الحجة: إن كل مجد الجبرتي أنه كتب يومياته عن أواخر حكم المماليك والحملة الفرنسية وما تلاها، وما كان يؤرخ لها أو يطمع أن يذكره التاريخ. كل ما في الأمر أنه كان صادقا مع انفعاله بالموقف اليومي وبالتالي المصيري لما يحدث في مصر. وقد كنت أنت - يقصدون أنا - كذلك ملتصقا بيوم شعبك أقصى الالتصاق منذ كتبت، رانيا إلى ثورة وأنواع كريمة من الحياة وضعت ثلاثة أرباع طاقتك الكتابية في يومياتها خلال الستينيات.
فكيف تترك هذا، «لدشت»، الصحف ومجلداتها؟! إنه ماض حدث في الستينيات ولكنه واقع يحدث حتى اليوم. فلماذا لا تجعل منها كتاب يوميات؟
وها أنا ذا بناء على رغبتهم أفعل.
وهذه المرة مؤمن تماما بما أفعل.
فليقرأها القارئ.
وليترك نفسه على سجيتها وهو يقرؤها ويستقبلها؛ فأنا لم أفندها حسب المواضيع وإنما حسب الوحي وتاريخ نشرها، كما تركت نفسي أنا على سجيتها وأنا أكتبها وأرسلها.
وليس لي أي مطمع في ذكر تاريخي أو أدبي.
حتى لو كانت قد استغرقت ثلاثة أرباع طاقتي أو عمري.
د. يوسف إدريس
نحن في حاجة إلى كمادات!المناخ الفني والأدبي عامر بالتفاهات والأعمال المسلوقة والقيم المهدرة والزعيق والمدعين، وفي مثل ذلك الجو يموت الفن الحقيقي. وتتكفل مئات الدبابير بقتل النحل النادر المنتج. أما من شجاع واحد يقول كلمة الحق في هذه الضجة المحمومة؟
الحركة الفنية والأدبية تمر بفترة عصيبة لم تشهد لها بلادنا مثيلا في تاريخها. إنها في حالة حمى، درجة الحرارة مرتفعة لا من جودة الأعمال الفنية والأدبية، وإنما من شدة الزحام وعلو الضجة واختلاط الحابل بالنابل واندحار القيم. أي مخبر صحفي باستطاعته بين يوم وليلة أن يكون فنانا وكاتبا، ويقدم أعمالا للسينما والمسرح والإذاعة والتليفزيون. أي إنسان قرأ كتابا عن الإخراج باستطاعته أن يخرج أعمالا، فنية، يحتار في تقييمها النقاد. أي إنسان يفك الخط باستطاعته أن يؤلف أغنية تقبلها الإذاعة وتصبح من مختاراتها. أي مجموعة مقالات باستطاعتها أن تصبح كتابا محترما يناقشه النقاد في البرنامج الثاني وأعمدة النقد. أي بطل حلقات باستطاعته أن يؤلف قصصا ويضع نفسه على قدم المساواة مع شابلن. أي عازف باستطاعته أن يؤلف موسيقى تعزفها فرقة القاهرة السيمفونية. أي صاحب نجمة أو زوجها باستطاعته أن يكون ممثلا ونجما. وأي ممثل باستطاعته أن يكون مخرجا ومنتجا وأي قارئ لمقال عن الاشتراكية باستطاعته أن يكون كاتبا اشتراكيا. وأي كاتب يوميات باستطاعته أن يؤلف للمسرح والسينما والإذاعة. وأي عائد من الخارج باستطاعته أن يكون عبقريا ودكتورا في الإخراج. وأي إنسان باستطاعته أن يكون أي شيء في أربع وعشرين ساعة وربما أقل.
