Cemâlü'l-üsbû'
مقدمة المؤلف
بسم الله الرحمن الرحيم يقول السيد الإمام العالم العامل الفقيه العلامة العارف المخلص الفاضل الكامل رضى الدين ركن الاسلام جمال العارفين أنموذج السلف الطاهر ذو الحسبين أبو القاسم علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن محمد الطاوس الحسيني شرف الله قدره وقدس في الملاء الاعلى ذكره بمحمد وآله صلى الله عليهم أجمعين:
أحمد الله جل جلاله الذي أيقظ ذوي السنة من أهل الوجود بألسنة الفضل والكرم والجود، وعلم العبد المخلوق من التراب حتى تكلم بمحكم الآداب على منابر الصواب، وألبس العقل من خلع أنواره حتى أجلس صاحبه بالفضل على أرائك ممالك أسراره، ورفع بالرياسة منازل مملوكه وعبده عن نوازل مهالك 1 حده، وظلل ظلال فهمه بما أسبل عليه من حلل كمال رحمته وحلمه، وكانت حياته مواتا فأخذه بيد قدرته من عدمه وأعاشه، وكان عظمه عريانا فكساه لحما من نعمته وراشه، وكان امكانه رفاتا فأخذ بيده وانتاشه، وكان لسانه مقفلا ففتح بمفاتيح جوده أقفاله، وكان انسانه مهملا فأوضح بمصابيح شمس سعوده إقباله، وكان بصره في الأفق اكمه فكحله بميل فضله حتى أبصر سبيل مثله،
وكان سمعه في الطرف متيها فنحله من نعم كرمه ما شفاه من سقم صممه، وكان قلبه في مخافة أخطار الجهل فتداركه بالرأفة وأنوار العقل، ولم يغن جل جلاله شيئا من هذه المواهب عنه سبحانه.
لعل مراده بذلك أن لا ينسى العبد إحسانه ولا يضيع حرمته وسلطانه، بل أفقره في كل حال إليه ليدل جل جلاله بذلك عليه، وأغناه من الممكن والاختيار لينفق غناه في عمارة الأسرار وطهارة الأفكار، ويركب به مطايا الاعتبار ويسير عليها آمنا من خطر الليل والنهار إلى دار القرار، وعرفه بما يدخل عليه في اختياره من الخلل والأخطار انه لم يكن أهلا للغنى في هذا المقدار، وأراه أن ذلك الغنى في المتمكن كان عايذا في الغالب بفقده وذلك الخير إن كان زائدا في نوائب كسره لا يمكن العبد عن مولاه، وأفقره من رضاه وخيراته بما أولاه شغله بدنياه عن اخراه حتى لقد وجدت الفلاسفة وأكثر من ضل بغير عناد أن ضلالهم كان من طريق التوكل والاعتماد على العقول والقلوب والاجتهاد مع الغفلة عن سلطان المعاد.
ولقد كان الله جل جلاله أعذر إليهم وركب الحجة عليهم بما أراهم في العقول والقلوب من مماتها بالنسيان وكثرة آفاتها وتفاوت إرادتها بما يظهر في تصرفاتها من النقصان ما كان كافيا في ترك الاعتماد عليهما مع سقم الغفلة عنه جل جلاله بالاستناد عليها، مثاله: انه يجمع عقلي وقلبي ونفسي وطبعي على سطر كتاب، فإذا فرغت منه رأيت فيه شيئا قد كتبته على خلل بعيد من الصواب حتى لو بقي ذلك لغلط في مرادي منه، فإذا كان مما يعلمه العبد من حاله فواجب عليه أن لا يثق بغير مولاه ولا يعدل أبدا عنه.
