Dai's-sema: Bilal b. Rebah (Muezzinu'r-Resul)
تأليف
عباس محمود العقاد
كلمة تصديربين الحربين العالميتين شاعت الدعوة العنصرية فبلغت أقصى مداها، وعملت فيها السياسة غاية عملها، وأقحمها الدعاة من مباحث العلم والتاريخ في غير موضعها.
وقد كانت للإسلام كلمة في إنصاف العناصر والأجناس سابقة لكلمة الحضارة العصرية والعلم الحديث، وكان في صحابة النبي عليه السلام رجل أسود هو بلال بن رباح مؤذنه الأول، فكان أثيرا عنده وعند الخلفاء وجلة الصحابة والتابعين.
فالكتابة عن بلال رضي الله عنه في هذا العصر تقع من سلسلة العبقريات والسير الإسلامية في موقعها، وتصادف موعدها من الزمن في أعقاب الحرب العالمية القائمة.
ولهذا كتبت هذه الصحائف في سيرة داعي السماء.
عباس محمود العقاد
سنة 1945
مسألة العنصرمسألة العنصر - أو الجنس - مسألة اجتماعية كثيرة الورود على ألسنة المعاصرين وأقلامهم، ولكنها على هذا من أقدم مسائل الاجتماع التي وجدت مع وجود القبائل الأولى.
وأكثر الباحثين في المسائل العنصرية من المختصين بها بين الغربيين يردون كلمة العنصر أو الجنس
Race
في لغتهم إلى أصل سامي يرجحون أنه هو اللغة العربية، ويعتقدون أنها مأخوذة من كلمة الرأس التي كانت تميز بين رءوس السلالات الآدمية وغير الآدمية.
ولم يكن اختلاف القبائل وتفاخرها شرا كله في بداية أمره، ولا كان مدعاة للنزاع دون غيره. فمن علماء الاجتماع من يرجع بالوشائج الاجتماعية كلها والآداب الإنسانية برمتها إلى الواشجة الأولى التي نشأت في مبدأ الأمر مع نشوء القبيلة الهمجية، ثم كانت سببا إلى التجاذب والتعارف بينها وبين القبائل الأخرى. ومصداق ذلك في القرآن الكريم حيث جاء في سورة الحجرات:
يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ... [الآية: 13].
فكانت الواجبات التي تفرضها القبيلة على أبنائها أساسا لجميع الواجبات التي تعلمها الإنسان بعد ذلك، سواء فرضتها عليه القبيلة أو الأمة أو الجامعة العنصرية أو الإنسانية بأسرها.
وقد طبع الناس على التفاخر بما يخصهم ولا يعم غيرهم كائنا ما كان معدنه ومدار الفخر فيه. فشاعت بينهم المفاخرة بالأنساب والأصول، كما شاعت بينهم المفاخرة بمعالم الأرض التي يسكنونها وصنوف الطعام التي يأكلونها، وتفاضلوا بالحقائق كما تفاضلوا بالأساطير والأوهام.
فمن قديم الزمن يفخر كل عنصر بعراقته وامتيازه على غيره، ويزيده إمعانا في عادة التفاخر والمباهاة أن تتاح له فرصة الغلبة والاستعلاء فترة من الزمن، فإن كانت الغلبة قائمة حاضرة فهي آية الفخر وحجة المباهاة، وإن كانت غابرة داثرة فهي عنده علامة على عراقة أصله وحداثة غيره، وأنه أحق من ذلك الغير بالفخر والمباهاة، وإن خدمته الحظوظ والمصادفات في حاضر أمره.
