David Hume
تأليف
زكي نجيب محمود
مقدمةيعد «ديفد هيوم»
David Hume
أبا لحركة فلسفية تعاصرنا اليوم ونعاصرها، وهي الحركة التي يطلق عليها أنصارها اسم «الوضعية المنطقية» حينا، واسم «التجريبية العلمية» حينا آخر؛ وإلى هذه الحركة الفلسفية أنتمي؛ على أن «هيوم» وإن يكن أصلا تفرعت عنه المدرسة التجريبية العلمية القائمة بيننا اليوم، إلا أن بينه وبينها ما بين الأصل وفرعه من اتفاق في الأساس واختلاف في تفصيلات الورق والثمر.
والأساس الذي وضعه لنا هيوم فجئنا اليوم نبني عليه، هو التفرقة الفاصلة الواضحة بين ضربين من المعرفة: المعرفة التي تنحصر أطرافها في رأس صاحبها؛ إذ تكون تحديدا للعلاقات القائمة بين فكرة وفكرة، كأن يدرك أن إحدى الفكرتين نتيجة تلزم عن الأخرى؛ والمعرفة التي تنبئنا عن أمور الواقع، فليس الأمر ها هنا مقتصرا على تحليل الأفكار الذهنية لتحديد ما بينها من علاقات، بل إنه يجاوز حدود الذهن ليمد أطرافه إلى العالم الخارجي، فيغترف من حوادثه ووقائعه تقريرا عما يدور حولنا.
هذان ضربان من المعرفة مختلفان جد الاختلاف، ففي الضرب الأول منهما يقيم المفكر فكره بغض النظر عما يقع في العالم الخارجي أو لا يقع، كما هي الحال في العلوم الرياضية وما لف لفها، فما على المفكر ها هنا إلا أن يبدأ شوط تفكيره من فكرة بعينها، ولتكن فكرة المثلث - مثلا - ثم يأخذ في تحليل الفكرة واستخراج ما يكمن في جوفها، فإذا كانت الفكرة الأصلية مقدمة نبدأ منها، فهذه العناصر التي نستخرجها منها هي النتائج التي تلزم عن تلك المقدمة لزوما منطقيا ضروريا؛ كأن أقول مثلا إنه ما دام المثلث سطحا مستويا محوطا بثلاثة أضلاع، إذن فلا بد أن تكون زواياه ثلاثا كذلك، وإذا كان كذا، إذن فلا بد أن يكون كيت ... وهكذا؛ ها هنا تكون النتائج التي نصل إليها يقينا حتى ولو لم يكن في العالم بأسره مثلث واحد؛ لأننا لا نتعرض فيها إلى نبأ ننبئ به عن الطبيعة الواقعة بحيث يجوز علينا الصواب والخطأ، بل إننا بمثابة من يكرر الفكرة الواحدة مرتين؛ إذ نقول الفكرة الأولية ثم نحللها لنستخرج من خيوطها خيطا نبرزه، فليس هذا الخيط الذي انتزعناه من النسيج الأولي شيئا جديدا، بل هو كشف عما هناك.
لا عجب إذن أن تكون الاستدلالات الرياضية يقينية النتائج إذا ما سلمت خطوات الاستدلال، لكن ما هكذا يكون الأمر في النوع الثاني من معرفتنا، وأعني به ما يصف لنا العالم الخارجي، كأن نعلم - مثلا - أن البرودة تجمد الماء، وأن السباع لا تأكل العشب، وأن الأجسام تتجاذب على نحو معين وهكذا؛ هنا يتحتم علينا أن نتلقى من الخارج انطباعات معينة على حواسنا لنعلم ماذا عسى أن يكون في الطبيعة من وقائع وأحداث؛ فليس الفكر الخالص وحده بقادر على أن يعلم أن البرودة تجمد الماء وأن السباع لا تأكل العشب، بل لا بد في مثل هذه الأمور من النظر إلى ما يحدث، كما تدلنا عليه خبراتنا التي مارستها حواسنا من رؤية وسمع ... إلخ، ذلك لأن الفكر الخالص غير المعتمد على الخبرة الحسية ليس لديه ما يمنع أن يتصور نقائض هذه الحوادث، فليس محالا على العقل أن يتصور الماء تذيبه البرودة وتجمده الحرارة، وأن يتصور السباع آكلة للعشب والخيل آكلة للحوم؛ فالذي حملنا على قول ما نقوله عن وقائع الطبيعة هو الخبرة الحسية التي أحاطتنا بما يقع فعلا؛ فإذا كنا نقرر أن البرودة وتجمد الماء حادثان متصاحبان دائما، فما ذلك إلا لأننا رأيناهما متصاحبين فعلا؛ إننا لم نتناول فكرة «البرودة» في أذهاننا لننصرف إلى تحليلها إلى عناصرها، كما فعلنا في فكرة «المثلث» ونحن نفكر تفكيرا رياضيا؛ لم نتناول بالتحليل الذهني الصرف فكرة «البرودة» لنقول بعدئذ إن في جوف هذه الفكرة عنصرا هو أنها تجمد الماء؛ كلا، فليست العلاقة بين الطرفين - البرودة وتجمد الماء - رابطة عقلية تحليلية ضرورية الحدوث، بل الأمر مرهون بالملاحظة الحسية وحدها، فنلاحظ ملاحظة متكررة أن الطرفين متصاحبان، يتحقق أحد الطرفين إذا تحقق الآخر بغير تخلف، فنستفيد بهذه الخبرة أن نتوقع حدوث أحد الطرفين إذا ظهر لنا الآخر؛ وإذا ما قلنا إن بين هذين الطرفين علاقة «سببية» فلسنا نريد بهذه الكلمة إلا هذه المصاحبة التي خبرناها فيما مضى ونتوقع لها أن تعود إلى الحدوث في المستقبل على نحو ما حدثت في الماضي.
