Dîvânü'l-Emîr Şekîb Arslan
لما علم شاعر الأقطار العربية وشيخ الأدباء؛ الأستاذ خليل بك مطران، بقرب ظهور ديوان صديقه وعشير صباه، صاحب العطوفة الأمير شكيب أرسلان، أحب أن يضع له كلمة التصدير التي نثبتها في صدر الديوان، قال الأستاذ - حفظه الله:
هذا ديوان أمير البيان. أفي حاجة أنا إلى تسمية صاحبه بعد هذا النعت الذي نعته به الإجماع في الأمة العربية؟!
أتيح لي أن أصدره بهذه الكلمة وفي النفس داع من الود القديم، وباعث من الإعجاب والإكبار؛ فانتهزت الفرصة السانحة مغتبطا بها. ولا أبرئ اغتباطي من أثر فيه للأثرة؛ فإن حظي من الفخر بهذا التصدير أضعاف حظ الصديق الكريم.
بدأ الأمير شكيب أرسلان حياته الأدبية بنظم الشعر، فاشتهر به ولما يعد السابعة عشرة من عمره، وقد طبع في ذلك الوقت ديوانا جمع به أوائل شعره وسماه «الباكورة»، فتوسم مطالعوه أن ناظمه يرقى حثيثا إلى مقام لا يرام بين شعراء العربية. ولو ظل الأمير معنيا بذاك الفن الرفيع لصدق فيه ما ظنوه كل الصدق.
غير أن شأنا آخر من الشئون الضخام التي هي أشد إغراء للرجل البعيد المطمح في مطالب العلياء؛ صرفه وشيكا عن الهيام في مسابح الخيال، والضرب في آفاقه الأنيقة إلى منازلة الحوادث والأيام في معترك الحقيقة.
ففي هذا المفترق الأول من السبل التي يواجه بها المرء مستقبله آثر الأمير الترسل، ومضى فيه متدفقا تدفق الينبوع الصافي، مجلجلا أحيانا جلجلة السيل الكثير الشعاب. وما زال - حفظه الله - منذ خمس وأربعين سنة يتحف قراء العربية في مشارق الأرض ومغاربها بكتب قيمة، يقتبسون من أنوارها هدى، أو يفيدون من مختلف الآراء المنبثة فيها ما يهيئ لهم من أمرهم رشدا؛ إلى رسائل متنوعة يجتلون محاسن أغراسها وأزهارها، ويجتنون ما يغذي العقول ويفكه القلوب من أطايب ثمارها؛ إلى فصول ومقالات تنشرها المجلات الدورية والصحف اليومية في كل قطر؛ فما ينقضي يوم من أيام تلك البرهة إلا وله في كل منها قلائد تزهي بها صفحاتها، أو فرائد تزخر بها أنهارها. ولو تفرغت طائفة من حملة الأقلام، جم عديدها، فياضة قرائحها، فيما يشاء الله من مسائل السياسة والاجتماع والأدب، ومباحث التاريخ والأخلاق؛ لكتابة ما كتب من تلك الفصول والمقالات؛ لتعذر عليها أن تأتي مجتمعة بما أتى به ذلك العلم الفرد.
على أن الذين تتبعوا - كما تتبعت - آثار الأمير شكيب قد تبينوا منذ الساعة الأولى سر المزية التي امتاز بها شعره ونثره جميعا، فأحلاه الذروة المنيعة الرفيعة التي حلها بين الأفذاذ المبرزين من متقدمين ومتأخرين.
