ed-Dumu'
كلمة للمعرب في الدموع
الدموع
كلمة للمعرب في الدموع
الدموع
الدموعتعريب
محمد السباعي
صحف مقتضبة من كتاب الإنسانية المعذبة، وأوراق مقتطفة من شجرة الحياة المرة، نزفها إلى ذوي القلوب الرقيقة، والنفوس الحساسة الذين يرتاحون إلى مشاركة المحزونين في أحزانهم، ومشاطرة البائسين أعباء همومهم وأشجانهم، والذين يرون في العظات والعبر المبكية طهورا يطهر الروح من أرجاس الخطايا، وأدناس المآثم، ويجدون في بلاغة كتاب المأساة وحرارة كلماتهم لهيبا مقدسا يجلو صدأ القلوب، ونارا سماوية تنفي خبث النفوس، وتسكبها في بوتقة السحر الحلال فتخرج مهذبة مصقولة كالذهب النضار، وقد عاهدنا أنفسنا أن لا ننشر من هذه الصحف إلا كل ما يستذيب الشئون ويستذرف الدموع؛ إذ كانت الدموع قدما مضرحة الآثام والذنوب ومنفاة الآلام والكروب.
كلمة للمعرب في الدموعمطافئ الحزن، كلما أسرع لهيبه أسرعت بوادرها، وكلما عاد عادت، فسبحان من جعلها عيونا ثرة، وهيأ لكل آفة ضدها ليستقيم ملكه ويتم أمره.
بكى أحد الحكماء على قبر ولده، فقيل له: «كيف تبكي مع علمك أن الحزن لا يفيد؟» قال: ذلك الذي يبكيني، كفى حزنا أن الحزن لا ينفع.
من المغالطة أن تحاول بالتمويه تحريم البكاء، وتأمر الناس أن يسدوا من ينابيع الدمع ما فجره الله في قلوبهم.
لم يخلق الدمع لامرئ عبثا
الله أدرى بلوعة الحزن
إن البعض ليرحب بالدمع ترحاب المجدب بالغمام؛ فإن الحزن العديم الدموع كالصحراء العديمة الماء. والحزن الذي يبخل بالعبرات كالمحروق الذي تذهله النار أن يذهب إلى الحوض؛ لذلك كان أفضل الحزن وأرشده، ما فتح أقفال الدمع فتواصلت سجامه.
الدمعة تذهب اللوعة. قال سليمان بن عبد الملك عند موت ابنه لعمر بن عبد العزيز ورجاء بن حيوة: «إني لأجد في كبدي جمرة لا تطفئها إلا عبرة.» فقال عمر: «اذكر الله يا أمير المؤمنين وعليك بالصبر»، فنظر إلى رجاء بن حيوة كالمستريح إلى مشورته، فقال له رجاء: «أفضها يا أمير المؤمنين، فما بذاك من بأس، فقد دمعت عين رسول الله على ابنه إبراهيم.» وقال: «العين تدمع والقلب يوجع.» فأرسل سليمان عينه فبكى حتى قضى أربا، ثم أقبل عليهما فقال: «والله لو لم أنزف هذه العبرة لانصدعت كبدي.»
وربما كان لطليعة الدموع من شدة الوقع ما لطليعة السيل والخيل، ولكنها على كل حال برد على الغليل وسلام، وفيها منجاة من جفاف الحزن، والأسى اليابس الذي يترك المرء عرضة للذبول في قفار الشقاء، والدمع مهما اشتد انطلاقه فمآله إلى السير الرقيق والانسجام اللين، ثم يستقر، ولكل ثائرة قرار.
