ed-Dürrü'l-manzûm el-hâvî li-envâi'l-ulûm
القسم الأول
مباحث في الإمامة
مقدمة التحقيقبسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الملهم للسداد، والهادي إلى سبيل الرشاد، والصلاة والسلام الأتمان على النبي المبعوث لإرشاد العباد، وعلى آله قرناء الوحي الحامين للدين عن التغيير والإفساد.
وبعد؛ فإن من نعم الله التي يجب شكرها ويحسن ذكرها تيسير نشر كتب الهداية بالطبع والإخراج حتى يتيسر للباحثين التنقيب عن مشكلات دينهم، ويتبصرون في المعضلات والنوازل الحادثات بأقوال الأئمة الهداة، الذين عمدوا أقوالهم بالدليل، وأناروا في غياهب الظلمات طريق الحق وأبانوا السبيل، من نجوم الاهتداء ورجوم الاعتداء من آل محمد المصطفى، وسلالة الوصي المجتبى، من أولاد الحسنين النجباء، الذين خصهم الله بالاصطفاء، وأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، صفوة الرب الجليل، ودعوة إبراهيم الخليل، كم من آية دلت على فضلهم، وسبقهم، وتعظيم حالهم، ورفع قدرهم:
ولهم فضائل لست أحصي عدها
من رام عد الشهب لم تتعدد
والقوم والقرآن فاحفظ قدرهم
ثقلان للثقلين نص محمد ولأمر عظيم، وشأن جسيم، قرنهم أبوهم المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم بالقرآن العزيز، وجعلهم عدله في حديث الثقلين، فكما أن الكتاب حق فالعترة حق، والنبي الكريم حكيم "لاينطق عن الهوى(3)إن هو إلا وحي يوحى" النجم: 3-4، فهو لا يوصي أمته المرحومة ويحثها على التمسك بالكتاب والعترة، إلا لكون الكتاب حق، والعترة مع الحق لا يفارقونه، وهو لا يدل أمته إلا على سبيل رشادها، وما فيه سلامتها يوم معادها، فهو الناصح الأمين، وما زالت العترة النبوية منذ فجر الإسلام في هدي للعباد، ودعاء إلى سبيل الرشاد، لتبيين الدين الحنيف، وتزييف وجهاد للباطل السخيف، -أولهم بعد نبي الرحمة وكاشف الغمة صلوات الله عليه وعلى آله الوصي -الأنزع البطين، ثم الإمامان السبطان: الحسن والحسين صلوات الله عليهما، وخلفهم أولادهم الأئمة الهداة، حموا دين أبيهم تارة بالمرهفات الحداد، والسواعد الشداد، وأخرى باللسان، فكم لهم من مقام تحار فيه الألباب، وتجندل فيه الأبطال، وتقط فيه الرقاب، وكم لهم من أنظار في العلوم سديدة، ومؤلفات ورسائل حميدة، قارعوا فيها الخصوم بأدلة أشد وقعا من النبال، وأمضى من البواتر في رد شبه أهل الضلال:
لهمو من التصنيف ألف مصنف *** ما بين علم سابق ومجدد
فما من فن من فنون العلم إلا وقد خاضوا غماره، وفجروا بأنظارهم الموفقة أنهاره، وجنوا بصافي أفكارهم ثماره، فها هي دعوة المصطفى قد شملتهم:
والمصطفى قال إن العلم في عقبي *** فاطلبه ثم وخل الناصب القالي قال: «اللهم اجعل العلم في عقبي وعقب عقبي..» الحديث، دعوة مقبولة غير مردودة استجابها رب كريم، فزخرت ينابيع علومهم عذبا فراتا، واستخرجوا من مغاصات يعبوبهم دررا فصارت للطالبين كعبة وميقاتا، ولما أن يسر الله -وله الحمد- تسهيل النشر بالطبع والإخراج، بعد أن كانت تلك المؤلفات في بطون الأدراج، برزت تلك العقائد كأنها الشمس الضاحية في وسط النهار، فحصل بذلك الهداية للبادين والحضار، وانتفع بها أهل النهى والأفكار، أما من عند عن الحق ونكص على عقبيه فإلى دار البوار.
