Ana içeriğe geç
İslam Arşivi الأرشيف الإسلامي İslam Arşivi

İslam Arşivi artık mobilde

Binlerce kaynağa her an, her yerden ulaşın.
Web sitemizde bulunmayan özellikleri uygulamada keşfedin.
iOS ve Android uygulamalarımız şimdi yayında!

Güvenli • Hızlı • Ücretsiz

Efkar ve mevakıf

أفكار ومواقف
Zeki Necib Mahmud
۩
أفكار ومواقف
زكي نجيب محمود
Deneme & Fikir
أفكار ومواقف

تأليف

زكي نجيب محمود

سيرة عقليةميلاد التذوق الفني

ليس من السهل على صاحب الحياة الثقافية التي تشعبت فروعها بين فكر وأدب وفن وفلسفة، أن يتعقب تلك الحياة إلى بذورها الأولى؛ لأنه حتى إن وقع على تلك البذور، فهو لا يأمن أن تكون قد سبقتها عوامل أنتجتها، كما هي الحال في بذور النبات؛ إذ كانت هذه البذور بدورها ثمرة نبات سابق؛ ولذلك فلست أرى بدا من عشوائية الاختيار.

وسأجعل البداية العشوائية لحظات تقاربت أزمانها في السنوات الأولى من عشرينيات هذا القرن، عندما كدت أبلغ من العمر عشرين عاما، وكانت أولى تلك اللحظات حين شاءت لي المصادفة أن أستمع إلى أستاذ في الأدب الإنجليزي يشرح للطلاب قصيدة وردزورث التي عنوانها «النرجس الأصفر»، وهي القصيدة التي يقول في سطرها الأول ما معناه: «جلت وحدي كما تجول السحابة»، وأخذ ذلك الأستاذ يحلل هذا السطر وحده في درس كامل، مما جعلني أستمع إليه وأنا ذاهل لما يمكن أن يتكشف عنه بيت واحد من الشعر إذا وجد الناقد الدارس، الذي يفجر الألفاظ تفجيرا ليخرج مكنونها الدفين. ولم أكن قد عهدت فيما قرأناه وحفظناه قبل ذلك من الشعر العربي مثل هذا التحليل العجيب؛ فلو قلت الآن إن تلك المحاضرة التي استمعت إليها في النقد الأدبي، والتي تناول فيها معلم شارح ذواقة، سطرا واحدا هو فاتحة القصيدة، لو قلت الآن إن تلك المحاضرة كانت عندي بذرة تحول في قراءة الشعر كله وقراءة الأدب كله لما بعدت عن الصواب.

وربما شاءت لي المصادفة الهادفة - إذا صح لي أن أقرن الأهداف المقصودة إلى المصادفات العابرة - شاءت لي تلك المصادفة ذات المغزى، أن يجيء محاضر الأدب العربي في إثر ذلك الأستاذ الناقد العجيب؛ فكان هذا المحاضر العربي يضع أمامنا أبياتا من الشعر الجاهلي وكأنه يقدم لنا أحجارا خشنة غلاظا لا تقوى على هضمها أقوى المعدات، ولم يكن في وسعه أن يفك جلاميدها ليخرج الكنوز من أجوافها؛ فبقدر ما كانت المحاضرة التي استمعت إليها عن شعر وردزورث طاقة متفجرة فتحت أمامي الطريق إلى سماء في التذوق الأدبي تعلوها سماء، جاءت المحاضرة الثانية - بالمقارنة مع ما قبلها - وكأنها النذير الصارخ في أذني بأن تراثنا الأدبي بحاجة إلى أيد أخرى غير الأيدي التي كانت تعبث بذلك التراث الغني وهي عجماء.

تلك - إذن - كانت أولى اللحظات التي تقاربت أزمانها معي، قبيل بلوغ العام العشرين من عمري، والتي عندها ولدت لي طريقتي في تذوق الفنون بشتى صنوفها. وأما اللحظة الثانية، فقد كان بطلها أستاذا في تعليم الرسم، لا أقول إنه كان ذواقة للفن بحيث جاءتني منه العدوى؛ إذ إني - حتى في تلك السن - كنت أدرك أن شروحه لأعمال الفنانين تنقصها الحساسية المرهفة، لكنني برغم ذلك أشهد بأنه قد فتح أمامنا بابا، وكان بمثابة من أشار بيده قائلا لنا: هاكم المروج الفسيحة، إذا أردتموها فادخلوا إليها من هذا الباب. ومن هنا بذرت في نفسي بذرة - ربما كانت ضعيفة الأثر، مقيسة إلى بذرة التذوق الأدبي - لكنها على أية حال كانت هي فاتحة التفاني إلى دنيا الفنون.