el-Âlim ve'l-vâfid
بسم الله الرحمن الرحيم
امتحان قبولروي بالإسناد الصحيح أن وافدا وفد على عالم من علماء آل (1) رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (2)، فلما نظر الوافد إليه رأى (3) رجلا جسمه لا يشبه اسمه: فسلم عليه، فرد السلام، فأطال الوافد الوقوف، وأطال العالم السكوت.
فقال الوافد: إن لكل طالب حاجة.
فقال العالم: ولكل حديث (4) جواب.
فقال الوافد: صدقت، لأن الله تعالى يقول: ( فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) (43) النحل: 43، الأنبياء: 7. فعلم العالم أن الوافد يريد منه علما.
فقال: إن العلم بحر عميق.
فقال: ولكل بحر سفينة ينجو بها راكبها.
قال العالم: وما سفينة بحر العلوم؟
فقال الوافد: المعرفة.
فقال العالم: المعرفة اسم أم رسوم (5)؟
فقال الوافد: اسم ورسوم.
النفسفقال العالم: كم رسوم المعرفة؟
قال الوافد: تعرف نفسك، وتعرف ربك، وتعرف دينك، وتعرف دنياك، وتعرف آخرتك، فإذا عرفت ذلك فلا حاجة لك إلى غيرك.
قال العالم: كيف تعرف نفسك؟
فقال الوافد: أعرف حدثها، وأعرف ضعفها، وأعرف فاقتها، وأعرف عجزها، فأجهدها في طاعة ربها، وأحملها على الخوف لخالقها، كي أرى خوفها، واحتمال الأذى (1)، وأروضها وأحثها على الطلب لما فيه نجاتها، وأصرفها من الكذب إلى الصدق، ومن الطمع إلى الورع، ومن الشك إلى اليقين، ومن الشرك إلى الإخلاص، وأخرجها من محبوبها في الدنيا، وأريضها في السفر (2) حتى تنال كرامة الله تعالى في الآخرة.
معرفة اللهقال العالم: وكيف (3) تعرف ربك؟
قال الوافد: أعرفه بما عرف به نفسه من الوحدانية، ولا أشبهه (4) بشيء من البرية، لا يحد بالحدود، ولا يوصف بالصفات، إذ هو سبحانه وتعالى خالق كل صفة وموصوف.
الدينقال العالم: وكيف (5) تعرف دينك؟
قال: الوافد أعرفه بالشريعة التي سنها الرسول (6) صلى الله عليه وآله وسلم،
وصدقها المحكم من التنزيل، وشهدت لها قرائن العقول. وهي على ثلاثة وجوه: قول وعمل واعتقاد، وسبيلها واضح، وطالبها رابح، قد بهر (1) دليلها، وشهد لها بالصدق من ذوي العلم عقولها، فقد كفونا مئونة الطلب بهذا الاحتجاج، وقطعوا عنا علائق الاعوجاج، حتى ما بقي في ذلك شك ولا اختلاج. فقصدت (2) عند ذلك بينة صحيحة حتى عرفت (3) الأصل والفرع، وبحثت بغائص عقلي (4)، فوجدت ذلك واضحا مبينا، وفي كتبهم مشروحا معينا، كلاما مبرهنا، قد حملوا صلوات الله عليهم عبء ذلك وثقله، وأوضحوا فرع ذلك وأصله، حافظين فيه الأمانة، مجتنبين الغش والخيانة، قد شيدوا بنيانه، وعظموا سلطانه، وأثبتوا في العقول برهانه، فليس لأحد من بعدهم مطلب، ولا لمسترشد من دونهم مذهب، ولا عاقل في غير مذهبهم يرغب.
