el-Beyânü's-sarîh ve'l-bürhânü's-sahîh fî mes'eleti't-tahsîn ve't-takbîh
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي عمت نعمته فعم وجوب شكرها، وجلت عظمته فعم وجوب الخضوع لعالي قدرها، وبهرت حكمته فوجب اعتقاد حسن نهيها وأمرها، فمن معترف بلسان الحال والمقال، ومقر بلسان الحال وإن أنكر بلسان الجدال، وسبحان الله عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال، الذي دل العقول في بديع صنعته على عظيم علمه وباهر حكمته في جميع الأقوال والأفعال، وأشهد أن لا إله إلا الله إقرارا بوحدانيته حميدا مجيدا، وإيمانا بأن الله لا إله إلا هو قائما بالقسط ببريته، عزيزا حكيما.
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين} وصلى الله على مصطفاه من بريته أبي القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم وسلم، وبارك وتحنن وترحم، وعلى آله الذين جعلهم أمانا لهذه الأمة من الضلال واصطفاهم، وأورثهم الكتاب وعلمهم الحكمة واجتباهم.
أما بعد..
فإن هذا البيان الصريح والبرهان الصحيح في مسألة التحسين والتقبيح يبين ماهية المسألة وفائدتها، ويشير إلى عظيم خطرها وعموم التكليف بها، ويوضح موضع الاتفاق والاجتماع، وموضع الاختلاف ومحل النزاع، ويكشف عن معنى هذين اللفظين بما يرادفهما في المعنيين، ثم يذكر بشطر من البراهين العقلية والنقلية، والأدلة السمعية القاضية بأن المسألة عقلية وسمعية، وأن الحكم بمثل توحيد الله حسن في نفس الأمر من قبل الوحي والارسال، والحكم بخلاف ذلك قبيح في جميع الأحوال لينبه على الاستدلال بأمثال ذلك مما لا يحصى، وعلى أن الحكم بها جلي لا يدق مهمة ولا يخفى، حاكيا من آثار أهل البيت الربانيين الذين يهدون بالحق وبه يعدلون، وسائر العلماء الذين يهتدون بهديهم وعليهم يعتمدون، ومن كلام بعض مخالفيهم الذين سلكوا في المسألة طريق الانصاف، وتجنبوا طريق الزيغ والاعتساف، فأما أهل البيت فهم الشهداء على الناس، وبكلامهم يظهر الحق ويبطل الالباس، وأما سائر العلماء فلأنه كم من معرض عن استماع الحجة إلى أن تعزى إلى بعض أئمته وأهل مقالته، وكم من نافر عن قبول الحق إلى أن يعلمه مذهبا لبعض أسلافه وأهل نحلته، فأردنا بما نقلناه عنهم في ذلك إرداة صحيحة، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((الدين النصيحة)).
فصل
فأما الماهية: فقد قال أصحابنا للقبيح حدان:
حقيقي، ورسمي.
فالحقيقي: هو الفعل الذي ليس للقادر عليه المتمكن من الاحتراز منه أن يفعله.
قلت: وهذا مدلول قول الله تعالى: {قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق} وقوله: {قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء} وقوله:{ما كان لله أن يتخذ ولدا} وقوله: {ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا} ونحو ذلك.
