el-Beyda
تأليف
يوسف إدريس
حيرتني هذه القصة.
كتبتها في صيف عام 1955م.
ونشرت بعضها تباعا في جريدة الجمهورية عام 1960م.
وأخيرا قررت نشرها هذا العام، فوإن كان بطلها هو «يحيى» إلا أنها وثيقة حية لفترة خطيرة من فترات الحياة في بلادنا، فترة لا أعتقد أن أحدا تناولها.
إن كانت تقليدية الشكل والطريقة، فالشكل مهما كان لا يتعدى دوره كشكل، والحقيقة تبقى حقيقة رغم أية طريقة تروى بها.
وإني لشديد الاعتزاز بهذا الجزء من عمري وعمر بلادي.
يوسف إدريس
مقدمةلقد ظلمت هذه القصة (البيضاء) ظلما كبيرا، وللأسف فإن السبب في ظلمها هو أنها كانت فعلا متقدمة على التفكير السائد بين المثقفين اليساريين آنذاك، وبين تفكيرهم عالميا ومحليا اليوم؛ فقد كتبت في عام 56-58 ونشرت بضع طبعات، وها أنا ذا أعيد نشرها في طبعة خاصة لروايات الهلال الآن، الفرق إذن هو أربعة وثلاثون عاما.
اليوم لم تعد البيضاء اكتشافا مبكرا جدا لأحداث ومفهومات أصبحت هي القاعدة، ولكنها إذا وضعت في منظورها الزمني ممكن أن يعود لها بعض الإنصاف.
هي قصة حب، ليس أي حب، وقصة عصر ليس أي عصر، وقصة سياسة ليست أي سياسة، وقصة أطول عمل أفخر به كتبته، هي درة ثمينة بين إنتاجي أعتز بها.
إني أهدي هذه القصة للماركسيين في العالم العربي اليوم؛ فضربهم باستمرار من قوى الحكم الغاشم حال بيني وبين أن أهتم اهتماما خاصا بنشرها وإذاعتها مخافة أن تكون ضربة أخرى للماركسيين المصلوبين دوما.
وأعتقد أن نشرها الآن ليس أمرا واجبا فقط، ولكن التذكير بأن ثمة أناسا كانوا منذ زمن بعيد يفكرون أسبق من زمنهم قبل خروشوف وقبل البريسترويكا، بالضبط من أيام كان ستالين حيا ويحكم بضراوة، هذا التذكير أصبح الاعتراف به - أخيرا - أمرا واجبا.
وأملي أن يستمتع القارئ بعمل أصبح الآن معتقا كالنبيذ المعتق، أي أصبح أكثر قيمة وأغلى ثمنا؛ فقد دفعت فيه - أنا الكاتب - ثمنا هو أجمل سني عمري، وإلى الآن لم أندم.
يوسف إدريس
البيضاء1
لماذا نكذب على أنفسنا ؟
إن لكل منا قصة حب دفينة وضعها في أغوار نفسه، وكلما مضى عليها الزمن دفعها أكثر وأكثر إلى أعماقه وكأنما يخاف عليها من الظهور.
وسوف أقول لكم كل شيء عن قصة حبي.
ماذا أقول لكم؟
يخيل لي أن ما من امرأة قابلت رجلا وما من رجل قابل امرأة إلا وسأل كل منهما نفسه: ترى هل يصلح الآخر لي؟ ما من امرأة وما من رجل، وفي كل مراحل العمر، قبل الزواج وبعده، في عنفوان الصبا وذبول الشيخوخة. سؤال يدور في عقول الآباء في نفس الوقت الذي يدور فيه في عقول الأبناء! عملية بحث دائبة مستمرة عن الطرف الآخر في تلك اللعبة الخطرة التي يسمونها الحب.
