el-Emiru'l-ahmer: kıssatun Lubnaniyye
تأليف
مارون عبود
المؤلف (1886-1962).
عصابة بلاد جبيلمتى رأيت أبا ناصيف عائدا من حقله، في أخريات أماسي أيلول المغبرة السماء، تذكرت قول الشاعر: «ما للجمال مشيها وئيدا»!
ولكن صاحبنا لا يحمل جندلا
ولا حديدا، بلا سلا
من التين المشرح،
يشده إلى صدره بحبل من الشعر؛ ليحمل في يده اليمنى قفة
فيها الزبيب ونوع آخر من التين المجفف. فالتين والدبس والجوز والزبيب حلاوة الفلاح اللبناني ونقله
شاتيا، ومتربعا. ويأكل بعضها ويدخر البعض الآخر لقرى
الضيوف وسلوى السامرين عنده في ليالي الشتاء المعربدة.
على هذا درج اللبنانيون القدامى الذين جعلوا من هذه الجبال حصونا لهم منيعة، وأحبوا أرضهم بقلوبهم وسواعدهم، فما تغنوا بها، بل استنبتوها مواسم وخيرات، وجعلوها أما يفيض حنانها لبنا وعسلا وزيتا، فتمتلئ الخوابي
وتكتمل المؤن، وإذا بالقروي سلطان في بيته الصغير، يهزأ بالأزمات والأعاصير.
كان أبو ناصيف يمشي متثاقلا تحت حملين: حمل واقعي، وهو نحو ربع قنطار، وحمل معنوي، وهو التفكير بما عساه يبقى له ولأولاده من تلك الغلة التي سقى أشجارها بعرق الجبين و«زوم»
العينين.
كان يفكر بالمير وضرائبه السخنة ... وها هو يمشي ويردد بصوت مسموع: «في كل يوم جباة وعسكر، خيالة وأغوات
يثقلون على الناس ويكبسون البيوت، كل مدة نسمع بضريبة جديدة: هذي اسمها ميري، وواحدة اسمها شاشية، وثالثة اسمها بزرية».
ثم حط السل على حائط ليستريح قليلا وصاح: «ورابعة اسمها ضربة تفك رقابهم من كبيرهم إلى صغيرهم! ما خبرنا أحد من جدودنا بمثل ظلم المير بشير قاسم. الله لا يرده!»
ونظر أبو ناصيف إلى التينات الخضر المشققة الأفواه، فخالها تضحك له ولأهله، فهز رأسه بحسرة وقال: «ما أكرم الأرض وما أوفاها! أطعمها تطعمك.»
ورأى الهواء يتغير، فحمل سله ومشى وهو يقول: «أيلول طرفه بالشتا مبلول.
نشكر الله، سلم التين هذه السنة، وما حمض منه شيء ولا اسود. الموسم مليح هذه السنة، ولكن من يشبع سيدنا المير؟ ... أفظع من حوت مار جرجس!»
وما بلغ المصطبة
حتى كانت امرأته في انتظاره، فهرولت نحوه لتعاونه على حط الحمل عن ظهره، فقال لها وهو يطحر:
16 «هذه أكلة تين مشبعة! ودعوا الصيف ...»
فضحكت لولو للتينات المنثورة على وجه السل متعجبة كيف وجدها زوجها، مع أن التين ساب
منذ منتصف أيلول. والمثل يقول: «بعد عيد الصليب كل أخضر يسيب».
