el-Eyyâmü'l-hadrâ
تأليف
ثروت أباظة
الأيام الخضراءأحببتها وأنا لا أدري ما الحب، عرفه الناس معنى أو عرفوه شجوا وأسى وألما، أو لعلهم عرفوه خيالا وأحلاما ورؤى، أما أنا فعرفته لعبا في الملعب، وتقاذفا بالكرة، وقفزا وجريا وضحكا، ولهوا عابثا، كنت ألقاها لم أغير من ملابس المدرسة شيئا اللهم إلا تلك المريلة التي كانوا يضعونها فوقي، وكانت تلقاني هي أيضا بلا تجمل أو زواق اللهم إلا أن تخلع هي أيضا تلك المريلة التي كانت توضع عليها، ثم نلتقي في فناء منزلها أو في فناء منزلنا بغير ميعاد مدبر أو اتفاق سابق، وإنما ينزل كل منا إلى صاحبه، ويكون اللعب في أقرب فناء من اللقاء.
أحببتها يوم ذاك وأحبتني، أحببتها كما أحب الكرة التي كنا نلعب بها، أو كما أحب الحبل الذي كنا نقفز من فوقه، وأحبتني هي أيضا كحبها لهذه الأشياء، وما كنا ندري من الحب إلا حبنا لهذه الأشياء.
كان كل منا يرى الآخر مكملا للعبه، كما يرى الكرة والحبل مكملين للعبه. كان كل منا يحب الآخر كجزء من مرح الطفولة وحلاوة اللعب وعربدة اللعب.
لم تكن تعرف من أنا بالنسبة إليها وما كنت أدري، قصارى الأمر بيننا أنني كنت أعرف أنها بنت لأنها ترتدي ملابس البنات، وأنها كانت تعرف أنني ولد لأنني أرتدي ملابس الأولاد. لم أكن أعرف الأنثى فيها، ولم أكن أعرف معنى الأنوثة جميعا، بالنسبة إلى الرجل، ولم تكن تعرف الرجل في ولا معنى الرجولة الذي أمثله، لا ولم تكن تعرف الرجل بالنسبة للأنثى.
لم يكن هذا الجهل يمنعني أن أقدمها على نفسي، وأترك لها فرصة أن تغلبني في بعض الأحيان، وليس في كل الأحيان، وأن أهفو إليها مسرعا إذا سقطت، وتسارع هي إلي إذا وقعت، ولكن أكان هذا قبل أن ندرك شيئا عن الهوى؟ أم أنه كان بعد أن أدركنا شيئا من معناه؟ أكان هذا الاهتمام بها ونحن في الطفولة الأولى البلهاء أم أنه كان ونحن في أواخر الطفولة مشرفان على الوعي أو بعض الوعي؟
أتراه حين كنا في الطفولة الواعية التي تحس ولا تبين ولا تشعر ولا تعبر وتخفق ولا تنطق؟! أتراه كان كذلك، وكيف لي أن أذكر؟
لقد شب حبي معي فاختلطت أدواره وتمازجت أيامه فما أدري كيف عرفته؟ وكيف استبان في كامل الوعي مني؟ أتراني عرفته حين كنت ألقاها ونحن في بواكير الشباب فتعلو وجهها الحمرة، وتمسك بلساني لعثمة فتمر بي وأمر بها لا يحيي الواحد منا صاحبه إلا بهذه الحمرة، وإلا بتلك اللعثمة، لا، لقد عرفت الحب قبل ذلك، عرفته وجيبا وخفقا في الفؤاد شديدا إن أنا ذكرتها، وإن أنا خلوت إلى نفسي؛ فقد كنت أذكرها كلما خلوت إلى نفسي، وعرفته هائم الفكر حذرا أخشى أن يكون حبها وهما من الأوهام. قرأت عن الحب وسمعت به من الرفاق، وعرفت ما الرجل وما الأنثى ورحت أنطلق في فسيح الفضاء لا أفكر إلا فيها، أخشى كلما فكرت في حبها أن يكون وهما من الأوهام.
