el-Gadetu'l-İngiliziyye
تعريب
لبيبة ماضي هاشم
سيداتي
اسمحن لي أن أتقدم إليكن بغادتي هذه الإنكليزية، موشحة بحلة عربية ترفل بها بينكن غير مبالية باحتقار وامتهان. ليس لأنها تدعي العصمة؛ فإن الكمال للواحد المنان، بل طمعا منها بحلمكن، وهذا مما لا يختلف فيه اثنان. كيف لا وحاكمها الجنس اللطيف السامي المقام، أفتخشى عذلا بعد ذلك أو ملاما، فإن ترمقنها بعين الانتقاد أكن لكن شاكرة، وإن تعذرن قصوري فإني به عالمة.
لبيبة ماضي
الفصل الأول
ظلام وخطرقال بطل الرواية: إني حرصت على تدوين تاريخ حياتي لاشتماله على غرائب الاتفاق التي تقودني أحيانا إلى الريب بصحتها حال كونها حقيقة، وها أنا أسرد على القارئ أهم ما صادفت في حياتي من العجائب وما لقيت من الغرائب، من دون زيادة ولا نقصان متكلا على خالق الأكوان، فأقول:
إني رجل روماني الأصل، كاثوليكي المذهب، مقيم في إنكلترا، وقد توفي والدي وأنا صغير السن، ثم لحقت به والدتي رحمهما الله بعد أن بلغت من العمر ثلاثا وعشرين سنة، أي قبل بداءة حوادث قصتي بسنتين. وقد خلفا لي مالا وافرا لا يقل دخله عن خمسة آلاف ليرة سنويا. وكنت قوي البنية شديد العزم مطلق الإرادة والتصرف بما ورثته من والدي، ومع ذلك فإني كنت أتعس البشر محروما من ملذات هذا العالم، لا أتمتع بمناظر الطبيعة ولا أتعزى برؤية الأكوان ومشاهدة المخلوقات البشرية. وكثيرا ما كنت أغبط بل أحسد من هم دوني منزلة، حتى بلغ بي الأمر أني تمنيت الاستعطاء والتسول ممن تقوى عيناي على مشاهدتهم؛ لأني كنت فاقدا حاسة البصر محروما - وا أسفاه - من لذة النظر!
فلا ريب أن من يطلع على هذه العبارة الأخيرة تتأثر شعائره، ويرثي لحالتي ويشعر بما يستولي علي من الكدر، عندما أتقلب على فراش الأحزان متفكرا بحالتي التعيسة التي ستنتهي بي على هذا المنوال لا رفيق لي سوى الظلام، ولا ما أتمناه سوى الموت الزؤام.
ففي إحدى ليالي شهر آب الحارة بينما كنت جالسا في غرفتي إذا بالباب يقرع، وسمعت صوت الخادم معلنا بقدوم الطبيب - وهو الذي آلى على نفسه بمعالجة عيني، وكان صديقا لوالدي المرحوم - فانتعش قلبي بقدومه وترحبت به، وبعد أن جلسنا سألني عن كيفية استعمالي الدواء، فأجبته أني مثابر على الخطة التي أرشدني إليها. وبعد ذلك شعرت أنه نهض من مكانه وأدنى من وجهي مصباحا، وسألني إغماض إحدى عيني ففعلت، فقال لي: ماذا ترى بالثانية؟ - نورا طفيفا وشيئا خفيفا. - أغمضها وانظر بالأخرى.
فأطعت. - ماذا ترى؟ - ضوءا قد تشعب منه ثلاثة أنوار. - الحمد لله فقد توطد مني الأمل، وتحقق عندي نجاح العمل. - أفلا يوجد خطر؟ - إن الخطر ما زال مترصدا فرص الإهمال، وما دمت محافظا على الاعتناء فالشفاء قريب بإذن الله.
