el-Hakika: Mukaddime Kasira Cidden
تأليف
يان فيسترهوف
ترجمة
هبة عبد العزيز غانم
مراجعة
محمد فتحي خضر
المقدمةلعلك تظن في مكانك هذا (ربما في متجر الكتب أو في المكتبة أو في منزلك)، بينما تقرأ هذه الصفحة، أن هذا الكتاب والورق المطبوع عليه والأحرف المطبوعة على الصفحة كلها واقع، ولعلك تظن أنك لا تحلم بأنك تمسك بهذا الكتاب وتقرأ هذه الجملة، بل إنك تفعل ذلك بالفعل، والأرجح أنك تعتقد أنك أنت نفسك من الواقع، ولست من صنع مخيلة أحدهم (مثلما كانت أليس من صنع مخيلة الملك الأحمر) يحلم بشخص يقرأ كتابا عن الواقع، وهذا يعكس توجها نفسيا صحيا؛ فمعظم الناس لا يعتقدون أنهم يحلمون معظم الوقت (والقليلون للغاية يعتقدون أنهم يحلمون في الوقت الذي يحلمون فيه بالفعل)، ولا يفترضون أن الأشياء المادية المحيطة بهم ليست موجودة في الواقع، ولا يصدقون أنهم شخصيات في رواية شخص آخر. إلا أن عدم شكك ولو للحظة واحدة في أن الأشياء قد لا تكون على هذا النحو يعكس افتقارك للخيال الفلسفي.
في هذا الكتاب، سنتطرق إلى بعض البراهين الداعمة لمثل هذه الشكوك، وسنحاول أن نكتشف معا إذا ما كانت هذه البراهين وجيهة أم لا؛ في الفصل الأول، سنتساءل عن كيفية التفرقة بين تجاربنا الواعية وبين الأحلام وعمليات المحاكاة (هذا إن كنا سنستطيع ذلك في يوم من الأيام). بعد ذلك سنتناول مسألة إذا ما كانت الأشياء المادية المحيطة بنا، كالكتب والموائد والمقاعد، واقعية أم لا. أما في الفصل الثالث، فسنطرح قضية إذا ما كان الأشخاص واقع أم لا، وعلى وجه التحديد إذا ما كنت أنت، قارئ هذا الكتاب، واقع أم لا. ويناقش الفصل الأخير حقيقة الزمن، ذلك الوسط الذي توجد فيه ظاهريا أنت وكل الأشياء المحيطة بك.
الفصل الأول
الأحلام وتجارب المحاكاةذات ليلة، استيقظ عالم الحيوان الفرنسي إيف ديلاج على طرقات الباب، كان الطارق هو حارس البيت يخبره أن يستيقظ لأن صديقا له باغته المرض، قام ديلاج من فراشه وارتدى ملابسه وتوجه مسرعا إلى دورة المياه ليغسل وجهه بإسفنجة مبللة. أيقظه إحساس الماء البارد على وجهه؛ كان في الواقع لا يزال مستلقيا في الفراش بملابس النوم، ولم يكن ثمة أحد يطرق الباب، كانت التجربة كلها حلما.
بعد دقائق، سمع طرقات أخرى على الباب، قال الحارس: «سيدي، ألن تأتي؟» رد ديلاج: «يا إلهي! إذن فهذا واقع بالفعل! اعتقدت أني أحلم.» رد الحارس: «إطلاقا، أرجوك أن تسرع، فالجميع ينتظرك!» استيقظ ديلاج وارتدى ملابسه، وأسرع إلى دورة المياه ليغسل وجهه. وعندما لامست الإسفنجة وجهه، استيقظ، ووجد نفسه بملابس النوم في الفراش. بعد برهة قصيرة، سمع طرقات أخرى على الباب، ومرة أخرى كان الحارس يقول: «سيدي ...»
