el-Haninü'l-Baki: Şi'r bi'l-Ammiyye
تأليف
زينب عبد التواب رياض
إهداءإلى العمر الضائع،
إلى الألم الذي أدبني كأخلاقي،
إلى وعود حسبي أنها أخلفت وكفى!
زينب عبد التواب
مقدمةفي صمت الليل سمعت همس الذكريات، ومرت أمام عيني صور الحياة الماضية، وأشخاص كنت قد تناسيتهم بفعل السنين، ولكنها لحظات ووجدت شريط ليالي وأيامي التي ذهب بها الزمان إلى غير رجعة، وما كنت أدري هل كانت ذكريات سعيدة فأردت استرجاعها، أم ذكريات حزينة هاجمتني لتحيا مع أشباهها؟
فكأن اليأس ينادي أقرانه، وكأن الحزن القابع في حياتي يسترجع الماضي البعيد، رفعت عيني للسماء فتعاقبت على نفسي وجوه كغيوم الشتاء، فعانقتني عناق العائد من غياب طويل، ورأيت جيراني وأصحابي وإخوتي وأبي وأمي وشارعنا القديم، ورأيت مدرستي وتذكرت أحداثا كادت أن تتلاشى في طيات العمر الذي ما شعرت به، وما أدري أهو بالقليل أم بالكثير؟
فما هي إلا أيام قلائل تلك التي سعدت بها، والتي أرغب في تدوينها بأوراقي. وما عدا ذلك أراه فصولا غابرة عشتها بالأمس وطواها الدهر، ورغم هروبي من تلك الذكريات إلا أنني عندما أدركت أنها أشباح ذكرى، وأنني وحدي، نظرت حولي ولم أجد شيئا مما رأيت. وحدي في صمت الليل وبرد الخوف وسكون الظلام، فناديت ولم يرتد إلي إلا صدى صوتي وصرخات قلبي الجريح، وحدي وصمتي ودموع تخشى السقوط!
الأيام الحلوةلم أكن أعلم بأنها أيام جميلة إلا بعد أن رحلت وغابت معالمها، لم يتبق منها إلا قليل من ذكريات تأتي أشباحها لتراوض خيالي، وتجعلني أقول: «ياه كانت أيام.»
ربما لو عادت لوجدتها صعبة وتخلو من جمال، لكنها كانت آنذاك هي الجمال ذاته، أيام الطفولة وإن كنت لم أحي طفولتي مثل أقراني، فكانت طفولتي تغلفها المسئولية وجملة أبدا ما فارقت مسامعي: «إنتي الكبيرة.»
وجدتني أتذكر تلك الأيام، أتذكر جدتي والدكان ولمبة الجاز، أتذكر صوت الوبور وأستشعر دفئه وقت الشتاء، أتذكر صوت جدتي، وانشغال أمي بنا وكنا وقتها تسعة أبناء (ست بنات وثلاثة أولاد).
أتذكر اللعب في الحارة، وشتوية زمان، وبياع العرقسوس والمغربية والمدفع والأذان، ولوح الثلج وقت بيعه قبل المغرب لتجهيز العصير في رمضان، وينادي بياع العصير وينادي بياع الثلج، وتأتي روائح الطعام وما أشهاها من كل البيوت، زينة رمضان وقد علقت أشبه بعناقيد عنب في الحواري والشوارع، السوق وبياع الخضار، عم سعيد الجزار، دكان جدتي بالجزيرة، ريحة التراب وهو مختلط بريحة المطر، ويداي وقد تحولت للون الأزرق من شدة البرد، شواء الذرة على الفحم أمام دكان جدتي، قاعدة الجيران على المصطبة، ووالدتي وقد أشعلت لمبة الجاز وهي منتظرة عودة أبي في المساء حتى يقص عليها عناء اليوم.
