El-Hediyyetü't-Tevfîkiyye fî târîhi'l-ümmeti'l-Kıbtiyye
تأليف
توفيق عزوز
إهداء الكتابلرب السياسة والكياسة ورجل الحزم والعزم، صاحب الهمة المشهورة والحكمة المعروفة عطوفتلو أفندم بطرس باشا غالي ناظر المالية الأفخم ...
سيدي المفضال ...
جرت عادة جهابذة التأليف والتصنيف، وخدام الأقلام، رجال التحرير والتحبير، أن يهدوا كتبهم ويقدموا مؤلفاتهم لمن يرون فيه الجدارة واللياقة. فمنهم من يهديها لمن كان عالما نحريرا، أو جهبذا مفلقا خطيرا؛ تقربا منه واعترافا بفضله ونبله، ومنهم من يقدمها لمن كان غنيا مثريا، ولو لم يدر شيئا من العلوم والمعارف؛ ليستظل تحت ظل سعته ويساره الظليل الوارف.
أما أنا فقد آليت على نفسي أن لا أحذو هذا الحذو ولا أنحو هذا النحو. على أنني قد استصوبت - ولا أخالني إلا مصيبا - أن أقدم إليكم كتابي هذا بمثابة هدية قبطية أرجو أن تحظى من لدنكم بالقبول وتفوز بالاستحسان؛ وذلك لأني من أبناء طائفتكم الذين هم في يم فضلكم وكرمكم الخضم مغمورون غارقون، وبأنظار عنايتكم وحسن رعايتكم مشمولون ومرموقون.
وناهيك ما لكم على طائفتنا بأسرها من الأيادي البيضاء والمناقب الحسناء التي هي أشهر من أن تذكر وأكثر من أن تحصر.
فيا حبذا لو تكرمتم علي بقبول تلك الهدية، وغضيتم الطرف عن قصوري وتقصيري. أطال الله أيامكم ونفعنا بنفثات هممكم ونفحات معارفكم وعلومكم، إنه السميع المجيب.
بنده محسوبكم
توفيق عزوز
مقدمةتمهيد مفيدلا مراء ولا مشاحة أن الوقوف على ما كانت عليه الأمم الغابرة، ومقابلته على ما آلت إليه حالتها الحاضرة، أمر ترتاح له الروح وتصبو إليه النفس؛ بناء على أن الإنسان يميل بطبعه إلى ذلك كل الميل.
وناهيك ما في ذلك من الفوائد الجمة، والمزايا المهمة، التي تجل عن الوصف والتعبير، ويقصر دون سردها وتعدادها قلم الكاتب النحرير، بل لا يصل إلى إدراك كنهها وماهيتها فكر كل جهبذ خطير خبير.
لأن الاطلاع على تاريخ الأمم السالفة قد يدعو إلى تحسين العوائد، وتدميث الأخلاق، والسعي وراء احتواء الفضائل والتحلي بها، واجتواء المساوي والرذائل والتخلي عنها. وهذا هو سر تقدم الأمم ومصدر ترقيتها، وأصل حضارتها ورفاهيتها وسعادتها، ومنشأ مجدها وسؤددها وأبهتها.
فالتاريخ مرآة يرى الإنسان في داخلها أسباب التقدم والترقي فيهتدي إلى معرفتها ويقدم على مناولتها وممارستها، ويرمق ببصر بصيرته بواعث التأخر ودواعي الانحطاط والتقهقر؛ حتى يصبح على بصيرة منها، فيحجم عنها ويسعى في ملاقاتها وتداركها بأنجع الوسائل وأنفع الوسائط. وبهذه المثابة يكون واقفا على قبيله ودبيره، وعارفا طريق الوصول إلى معارج الفلاح ومدارج الارتقاء والنجاح. وهذه هي أفضل غاية وأجل بغية يجد في طلبها المجدون، ويتنافس في تحصيلها ونوالها المتنافسون.
