el-İktisâd fîmâ yeteallaku bi'l-i'tikâd
يتفق الباحثون في ان الضرورات التاريخية ألحت على المسلمين في الانفتاح على البحث العقلي الكلامي، والانتقال في مباحث العقيدة، وطريقة التفكير الديني إلى مرحلة جديدة، تمتاز باستحداث منهج جديد في الفكر لم يكن للمسلمين به عهد.
لقد كانت طلائع ذلك في أواخر القرن الأول للهجرة، وبدايات القرن الثاني. ويمكننا إجمال تلك الضرورات بالنقاط التالية:
أولا انفتاح المسلمين على حضارة اليونان، الذي تمثل واضحا في حركة الترجمة السريعة لتراثهم العلمي، لا سيما ما يختص منه بالفلسفة والمنطق والعقيدة.
ثانيا بروز حركة الإلحاد والزندقة في الوسط الاسلامي، وقد حرص زعماؤها على استغلال الطريقة العلمية المنطقية في دعم تشكيكاتهم ومقولاتهم.
ثالثا تطور العقلية الاسلامية، إثر الابتعاد عن عصر النصوص، ومواجهة اسئلة عقائدية بدأت تتزايد طبيعيا، وتنبثق باستمرار، الأمر
الذي دفع إلى محاولة الإجابة الشاملة عن تلك الاسئلة.
كانت هذه الضرورات شاخصة امام رجال الفكر المسلمين، تدعوهم إلى اتخاذ موقف.
فالطريقة المنطقية في البحث سيطرت على الأفق، وأحدثت ضجة كبيرة في الوسط الاسلامي، فكان لا بد من دعم المعتقد الديني وتعزيزه على أساس هذه الطريقة.
كما ان العناصر غير الاسلامية برعت في استغلال هذه الطريقة بعد استعارتها من المصادر اليونانية وغيرها، مما زاد في حراجة موقف العلماء الاسلاميين.
وكان في آخر المطاف اتساع أفق التفكير في المجمع الإسلامي عقيب التطورات والتحولات الاجتماعية والسياسية التي مر بها.
أمام هذا النداء التاريخي، ظهر اتجاهان لتحديد الموقف، واشباع حاجة النداء: اتجاه تقليدي محافظ. واتجاه تحرري منفتح.
مثل الاتجاه الأول (السلف والمحدثون) كما اصطلح عليهم أخيرا.
ومثل الاتجاه الثاني (العدلية) كما اصطلح عليهم أيضا.
طبعا. كان كل من الاتجاهين يقصد الدفاع عن ساحة العقيدة، واكتساب النصر لها، وإنما اختلفوا في طريقة ذلك. فالمحدثون رأوا ان مهمة الدفاع عن العقيدة تقتضي الامساك بالزمام سريعا، وسد الباب أمام موجة الانفتاح الفكري، أمام كتب اليونان، أمام العقلية المتفتقة الجديدة، أمام شبهات الملحدين الموسومة بالطابع المنهجي.
والبقاء المطلق في القشر الظاهري للنصوص (قرآنا وسنة) دون أية محاولة لتطعيمها بالأداة العقلية في البحث.
ومن هنا أعلنوها حربا صريحة ضد الاتجاه الثاني، حتى كان من قولهم «لا تجوز الصلاة خلف المتكلم، وان تكلم بحق فهو مبتدع» (1).
أما (العدلية) نسبة إلى قولهم بالعدل الإلهي فقد رأوا ان المواجهة الصحيحة تقتضي الترحيب بالمنهج العلمي الجديد، وهضمه جيدا، وبالتالي الانطلاق منه، وبنفس الطريقة، لدعم المعتقد الديني. وهكذا كان.
