el-İslamü Şeriken: Dirasat ani'l-İslam ve'l-Müslimin
تأليف
فريتس شتيبات
ترجمة
عبد الغفار مكاوي
تمهيد«لا قوام لأي فكر أو بحث بغير النقد الذي يبعث فيهما أنفاس الحياة ويحولهما مع الزمن إلى فعل مؤثر ومغير ...»
عبد الغفار مكاوي (1) كان على قرائه وأحبابه وتلاميذه المنتشرين في الغرب وفي الشرق العربي والإسلامي أن ينتظروا سنوات طويلة قبل أن يتلقفوا - بلهفة الممتن المشتاق - الكتاب الجامع الذي صدر في عام 2001م، وضم معظم بحوثه ومقالاته التي عكف على كتابتها وألقاها في المؤتمرات طوال أكثر من خمسين عاما (من 1944 إلى 1996م). والكتاب يحتوي على ثلاثين بحثا ومقالا بالألمانية والإنجليزية بقيت مشتتة في كتب ومجلات استشراقية لا حصر لها، منها أربعة عشر مقالا في التاريخ الإسلامي، والباقي في التاريخ العربي الحديث، وكلها تشهد على إنصافه وتعاطفه وموضوعيته التاريخية الدقيقة. وقد ظهر الكتاب تحت عنوان يدل على هذه المعاني العلمية والإنسانية وهو «الإسلام شريكا»، وعلى غلافه صورة لمؤلفه الأستاذ «فريتس شتيبات» (1933م-...) رائد الاستشراق الألماني منذ نهاية الحرب العظمى الثانية، في العدد السبعين من «سلسلة النصوص والدراسات البيروتية» التي أسسها بنفسه عندما كان يتولى رئاسة المعهد الشرقي الشهير في بيروت (من سنة 1963 إلى سنة 1968م) وقبل عودته إلى موطنه في مدينة برلين لتولي عمادة معهد العلوم الإسلامية بجامعتها الحرة (من سنة 1969 إلى سنة 1988م) واستمرار رعايته للدراسات الشرقية والإسلامية ولأبناء البلاد العربية الذين تتلمذوا على يديه وما زالت تربطهم به وشائج المحبة والإجلال والعرفان، مقرونة بالتمنيات الصادقة بالشفاء من المرض الشديد الذي ألم به قبل أكثر من ست سنوات ولم يمنعه من الحفاظ على جسور التواصل والرعاية والاهتمام بتلاميذه وعارفي فضله. (2) يعد «فريتس شتيبات» نموذجا رفيعا للعالم والباحث في العلوم الإنسانية والتاريخ العربي والإسلامي بوجه خاص؛ فهو يجمع بين النظر والعمل، ويؤلف بين العقلانية الدقيقة والتعاطف الدافئ والإنصاف الحكيم؛ ينخرط في بحثه بكل طاقته، ويتأمله كذلك من مسافة بعد كافية، يشارك في موضوعه بقلبه ومشاعره واهتمامه الشخصي، كما يحلله تحليلا موضوعيا وتاريخيا نقديا من أكثر من منظور. ولا شك في أن تطور حياته وتقلب مراحلها بين الإقامة في وطنه والعمل خارجه - لا سيما في القاهرة من سنة 1955 إلى سنة 1959م وفي بيروت من 1963 إلى 1968م - ورئاسته للعديد من اللجان المشرفة على دراسة الشرق الإسلامي ومناهجها على مدى سنوات عديدة امتدت حتى بدايات المرحلة التالية لإعلان الوحدة الألمانية (1992-1993م)، مع مساهمته الفعالة في تأسيس ورعاية المركز العلمي لدراسة الشرق الحديث الذي أصبح اليوم إحدى المؤسسات الثقافية المرموقة في العاصمة الألمانية (وقد أوصى له بمكتبته الخاصة التي لم أر في حياتي أروع ولا أضخم منها ...) - لا شك في أن كل ذلك مع خصاله الإنسانية النادرة التي جعلت منه الأب والمعلم والراعي الأمين لكل من درس على يديه أو اتصل به من أبناء العرب ومن عشرات الباحثين الألمان الذين تعهدهم بتوجيهه وإشرافه - كل ذلك قد بوأه عن جدارة مكانة عميد المستعربين في ألمانيا، وسكرتير جمعية المستشرقين الألمان، والصديق الكبير لعشرات من الإخوة العرب المتخصصين في التاريخ العربي والإسلامي قديمه وحديثه. (3) قام «شتيبات» بدور كبير في الاهتمام بدراسة الشرق العربي الحديث، وتنبيه الأجيال الجديدة من المستشرقين والمستعربين إلى أن لغات الماضي وحضاراته ما تزال واقعا ينبض بالحياة ويؤثر تأثيرا مستمرا في ميادين الفكر والعمل والحياة اليومية، والأزمات والقضايا الملحة في وقتنا الراهن. ولا شك في أن إقامته الطويلة في القاهرة وبيروت قد أتاحت له فرصة التعرف عن كثب على مشكلات العالم العربي والإسلامي، وتوجيه أنظار شباب الباحثين إلى أن دراسة الواقع الحاضر بكل ظواهره لا تقل أهمية عن دراسة الماضي الذي طالما استغرق جهود المستشرقين.
