el-Istıfâ sırru'l-ibtilâ
الاصطفاء سر الابتلاء
محمد قاسم الداعي
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين، وبعد:
قال تعالى: {الم، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون} العنكبوت: 1،2 صدق الله العظيم.
وقال الإمام كرم الله تعالى وجهه في (نهج البلاغة ص249): (أيها الناس، إن الله قد أعاذكم من أن يجور عليكم، ولم يعدكم أن يبتليكم، وقد قال عز من قائل: {إن في ذلك لايات وإن كنا لمبتلين} المؤمنون: 30.
فجعل الله الابتلاء سنة في الأولين والآخرين، وبدأ بملائكته المقربين، وذلك حين أمرهم بالسجود لآدم، اصطفاء له قبل عمل مسبق منه، فقال تعالى: {إن الله اصطفى آدم} وجعل الاصطفاء هو سر الابتلاء، وجعله سنة في الحياة، وذكر لنا قصته في كتابه العزيز، فقال تعالى: {إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين، فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين، فسجد الملائكة كلهم أجمعون، إلا إبليس} ص: 71-74 فقد فشل في هذا الامتحان؛ لأنه {أبى واستكبر وكان من الكافرين} البقرة: 34.
ترى ما هو سبب نجاح الملائكة في هذا الامتحان؟ وما هو سبب فشل إبليس وخروجه من حرمة الله تعالى؟ السبب واضح وهو أن الملائكة نظروا إلى من أصدر الأمر وهو الله سبحانه وتعالى، فلو أمرهم الله تعالى أن يسجدوا لذبابة لسجدوا، أما إبليس فقد نظر إلى من أمر بالسجود له وهو آدم فقال: {أأسجد لمن خلقت طينا} الإسراء: 60 وهذه القصة معروفة، وقد ذكرها الله سبع مرات في القرآن، مع أن الحادثة لم تقع إلا مرة واحدة، فهل فكرنا في سبب تكرارها؟ إنه الاعتبار حتى لا نكون مثله، ولذلك قال الإمام علي كرم الله وجهه ص 420 في خطبته المسماة القاصعة: (فاعتبروا بما كان من فعل الله بإبليس، إذ أحبط عمله الطويل، وجهده الجهيد، وكان قد عبد الله ستة آلاف سنة، لا يدرى من سني الدنيا أم من سني الآخرة، عن كبر ساعة واحدة، فمن منا بعد إبليس يسلم على الله بمثل معصيته -أي يسلم من عقابه-؟ كلا ما كان الله سبحانه ليدخل الجنة بشرا بأمر أخرج به منها ملكا، إن حكمه في أهل السماء وأهل الأرض لواحد، وما بين الله وبين أحد من خلقه هوادة في إباحة حمى حرمة على العالمين).
فما هي جريمته؟ وما هو ذنبه الذي صيره وجعله من الملعونين؟ هل سرق؟ أم قتل؟ أم زنى؟ أم رفض السجود لله تعالى وادعى الربوبية؟ كلا، لا هذا ولا ذاك، وإنما رفض الاعتراف بالفضل لآدم، فجعله الله من الكافرين، وهكذا ظل الابتلاء مستمرا في كل زمان ومكان، وقد أخبرنا الله بحال الأمم السابقة، وكيف أنهم أصيبوا بهذا المرض الخطير الذي هو مرض الكبر، فاستكبروا ورفضوا الاعتراف بمن فضلهم الله تعالى، حتى قال الله تعالى: {ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين} سبأ: 20 وإن شئت فاقرأ سورة المؤمنين.
