El-İ'tirâf: ve hüve kıssatü nefs
تأليف
عبد الرحمن شكري
رسالة من صاحب الاعترافصديقي الأعز
لقد مللت الحياة في عالم المدنية، فرأيت أن أهيم في مجاهل السودان؛ لأن صحراءها أشبه بالأبد الذي أحببته من المدن، وستضيق الصحراء بنفسي كما ضاقت بها المدن. وقد رأيت أن أودع عندك «مذكراتي»؛ كي تذكرك بي، وبما كان بيننا من الود. فإذا مضت سنة ولم أراجعك، فانشرها إذا وجدت في نشرها ما يفيد.
المخلص
م. ن.
مقدمة لمؤلف الاعترافلقد مضت سنوات لم أسمع في خلالها شيئا عن صديقي م. ن. صاحب الاعتراف، فجعلت أسأل عنه حتى علمت أنه صار يهيم في فيافي السودان، حتى وصل إلى بلاد نيام فأكله أهلها رحمة الله عليه. لقد كان يحتقر الإنسانية؛ فانتقمت منه بأن أكله أبناؤها، ولكنه انتقام يثبت أنه كان مصيبا في احتقاره إياها. وقد زعم أناس أنه لم يمت، وأنه توغل في أواسط أفريقيا إلى مواطن الزنوج، فأسرته قبيلة منهم تدعى قبيلة الشنانجة، ولكنهم أعجبوا بسكوته وعبوسه وكسله وقلة مبالاته ما يقع حوله من أمور الحياة؛ فاتخذوه إلها، حاسبين هذه الصفات من صفات الله! فإذا صح ذلك كان صديقي إلها لا يزال حيا يرزق، يعبده زنوج قبيلة الشنانجة في أواسط أفريقيا. وليت شعري ما حاله؟ وما خواطره؟ وهل هو سعيد بمنزلته بين أولئك الوحشيين الجهلاء؟
وقد رأيت أن أجمع هذه المذكرات وأن أنشرها؛ لأن في نشرها عبرة كبيرة لمن يعتبر. وسيرى كثير من القراء نفوسهم مكبرة مرسومة في هذه الصحائف؛ لأننا في حياتنا الاجتماعية سواسية مثل أسنان الحمار - هذا إذا صح أن أسنان الحمار سواسية، ولا أظن ذلك - أو مثل أسنان المشط. وسبب ذلك أن العوامل الاجتماعية التي تعمل في نفس الفرد منا، تعمل أيضا في نفوس سائر الأفراد. فصفات الشاب المصري هي صفات م. ن. صاحب الاعتراف.
فالشاب المصري في حالة أمتنا الاجتماعية الحاضرة عظيم الأمل، ولكنه عظيم اليأس، وكل منهما في نفسه عميق مثل الأبد؛ والسبب في ذلك أن حالتنا الاجتماعية تستدعي شدة الأمل وشدة اليأس. وما زلت أجد بين حالة الأمة الاجتماعية وبين نفوس أفرادها رابطة متينة. والشاب المصري يكثر من إساءة الظن، وهي صفة اشتهر بها المصريون. والسبب في سوء ظنه عصور الاستبداد الطويلة التي مرت على مصر، فإنها أبقت هذا الإرث في نفوس الأفراد؛ لأن الاستبداد يبعث سوء الظن. والشاب المصري ضعيف العزيمة، كثير الأحلام والأطماع والأماني، يمضي أيامه في الأحلام بدل أن يمضيها في مزاولة الأعمال. وكذلك الخوف فيه، فإن شجاعة الشاب المصري شجاعة متقطعة مبتورة، شجاعة تستحي من نفسها، وأما خوفه فهو مبدأ عام.
