el-Kadim ve'l-hadis
تأليف
محمد كرد علي
فاتحةبسم الله وبه الثقة
دعوت منذ بدأت بالاشتغال في الصحافة العربية سنة 1315ه إلى نبث دفائن المدنية العربية، وبث خزائن الحضارة الغربية، وأبرزت هذه الدعوة فيما نشرته في جميع الصحف والمجلات التي أنشأتها وآزرتها في مصر والشام من موضوعات في العلم والاجتماع، والتاريخ والأدب، والنقد والتربية، وها أنا ذا أهدي لقراء العربية نموذجات مما كتبت، عسى أن يكون منها لهم في عصر القوميات عبرة وذكرى، ولبنيهم وبناتهم في تأليف وحدتنا الاجتماعية درس وسلوى، فمفاتيح كنوز الأجداد التي انتقلت إلى النشء بالإرث الصحيح لا غنية لهم عن معالجتها بالفتح؛ لاستمالة ما فيها والاستظهار بمعنوياتها، ثم بمادياتها؛ لأن هذا الحاضر الذي يحاول بعضهم الاقتصار عليه هو ربيب ذاك الغابر ووليده، بل سليله وحفيده وطريده، والجمود على القديم هو العقم بعينه، وقطع الصلة مع المدينة الحديثة، مضرة ومعرة. ولا خير فيمن جهلت أصوله، ولم يتخلق بأخلاق جيله وقبيله، والله الموفق سبحانه .
محمد كرد علي
دمشق 6 جمادى الأولى 1343 / 2 كانون الأول 1924
القديم والحديث1لم يأت على هذه الأمة دور مثل هذا اشتد فيه النزاع بين القديم والحديث، وانهزم القديم بضعف القائمين به، وقوة أنصار الحديث، عنينا بذلك أرباب التقليد، ممن يرون السعادة في الاكتفاء بما تعلموه من آبائهم، وورثوه عن أجدادهم من العلوم والآداب، ويعدون ما عداها ضررا يجب البعد عنه ومحاربته بكل وسيلة، كما عنينا أرباب التجديد الذين يزعمون أن الاكتفاء بعلوم أهل الحضارة الحديثة وحدها كافية في رفع شأننا.
نشأت للأمة ناشئة بعد أن كثر احتكاكنا بأوروبا في أواسط القرن الماضي. عادت القديم معاداة خرجت فيها عن طور التعقل، وذلك نكاية بما رأته من دعاة ذاك القديم، وأكثرهم مثال الجمود والبلاهة، ونموذج الفساد وسوء التربية، فقامت تزهد فيهم وفيما يدعون إليه، تحمل عليهم حملاتها، وتتحامل عليهم بتحملاتها، وكذلك كان شأن أنصار القديم مع دعاة الحديث، يرمونهم بكل كبيرة، ويسلبونهم كل فضيلة، ويطعنون بعلومهم إلا قليلا، ويعدون النافع منها مما لا يضر ولا ينفع.
لا خلاف في أن ملكة الدين والآداب ضعفت في البلاد الإسلامية لضعف حكوماتها، والعامل الرئيسي في كل البلاد هو السياسة، إذا ضعفت يتبعها كل شيء، فجهل الحكام والملوك منذ نحو ألف سنة، هو الذي رفع شأن المنافقين من العلماء الرسميين، فصار العلم الديني يتعلمه المرء لا لينال السعادتين ويكون عضوا مهما في جسم المدينة الفاضلة، بل ليخدم به أغراض أمراء السوء، ويستولي على عقول العامة، وتقبل يداه ويكرم بالباطل، وهذا ما حدا حجة الإسلام الغزالي، وأضرابه في عصره وبعده، أن ينحوا على فقهاء السوء إنحاءهم على أمراء السوء؛ لأنهم يتعلمون علوم الفقه والفتيا؛ ليتقربوا بها فقط من السلاطين، ويجعلوا من الدين سلاحا يقاتلون به من يناصبهم في شهواتهم وأهوائهم. ولقد فضل الغزالي في الإحياء وتهافت الفلاسفة من يتعلمون الطب على الفقهاء، وقال: إن من يقولون إن علوم الدنيا تنافي الدين يجني على الدين.
