el-Kafi fi'l-luga
خطبة الكافي
خطبة الكافي
الكافي في اللغةتأليف
طاهر الجزائري
خطبة الكافيالحمد لله الذي خلق الإنسان، علمه البيان، وميزه على سائر أجناس الحيوان. والصلاة والسلام على أفصح الأنبياء بيانا، وأوضحهم حجة وبرهانا، أحمد
من أرسله لإرشاد الخلائق إلى أسنى الحقائق، وعلى آله الكرام البررة الذين اقتفوا أثره، وصحبه أعلام العلم والهداية، الذين كان لهم في نشر آثاره أسمى عناية، وعلى التابعين لهم بإحسان، ما أعرب عما في النفس لسان.
أما بعد، فلما كان للغة العربية الشأن الذي لا يجهل أقبلت وجوه العلماء الأعلام عليها؛ وجعلوا وجهتهم تمهيد السبيل إليها
كي لا يحلأ عن مواردها العذبة وارد، ولا يدرأ عن معاهدها الرحبة قاصد،
فبينوا قواعدها وأحكامها، ورفعوا أعلامها. وأفردوا كلا من حالي الأفراد والتأليف بالبيان، حتى كاد بيانهم يكون بمنزلة العيان، ونقبوا في البلاد عن شواردها، وجعلوا أسفارهم قيد أوابدها،
وأبرزوا في ذلك مصنفات مختلفة الأصناف، مشحونة بصحاح الجواهر ممتازة عن الأصداف،
ودعوا الناس إليها دعوة تامة؛ لتكون مأدبة الأدب لهم عامة.
ثم اجتهدوا في فقه اللغة؛ فأوضحوا أصوله المحكمة، وشرحوا فصوله المبهمة
حتى ظهر ما بهر من سرها الخفي ومن خصائصها المونقة لمن هو بها حفي،
ولم يزل التأليف فيها متواترا بقدر الإمكان مرعيا فيه حال الزمان والمكان،
والناس لهم بما ألف فيها أعظم إلف، حتى بلغ ذلك زهاء ألف.
ثم عرضت عوارض قضت بضعف العلم، وخفض أعلامه الشم؛
ففترت في تحصيلها الهمم، وترك رعاية ما لها من الذمم. حتى نجم عن ذلك ما نجم، وكاد أهلها في إهمال لغتهم يكونون كالعجم،
بل جعل بعض الأغمار أمرها غير أمم، وعد الاشتغال بها ضربا من اللمم،
وحال ما لا يحصى من الأحوال على هذا البلبال. ثم حالت تلك الحال، وأتى ما لا يخطر بالبال،
فقيض الله لها نفوسا سامية أشرفت عليها فعرفت قدرها السامي، وسمت إليها فرأت لها من المحاسن ما به تحكي العرب التي تجل عن المسامي،
فشرعوا في تجديد معاهدها، وتشييد قواعدها، إماطة الأذى عن شوارعها، وإزالة القذى عن مشارعها؛
ليكون الناس شرعا في وردها السائغ، وظلها السابغ
وإن اختلفت مشاربهم، وتباينت أسرابهم ومساربهم،
وقرروا درسها في المدارس، وأحيوا من كتبها ما كان كالرسم الدارس؛ فهبت ريحها، وأضاءت مصابيحها. وكاد يعود لها رونقها الأول، وخفت من كان يقول: وهل عند رسم دارس من معول؟
