el-Kainu's-sani
تأليف
أحمد زكي أبو شادي
تصديرفي هذه المجموعة خمس وعشرون قصيدة، معظمها من شعري في سنة 1934، أنشرها على سبيل النماذج، وقد طبعتها مستقلة لارتباطها بمعاني «الإضمار» الذي عبرت عنه تعبيرا رمزيا مجملا حين خاطبت الطاووس الأبيض:
أنت في الحسن مضمر اللون والحل
ية كالنور يضمر الألوانا
إن يعبك الذين لم يشعروا بع
د فيكفي اجتذابك الفنانا
وقد اقترح علي غير واحد من أصدقائي الأدباء أن أقسم شعري وأطبعه طبعا مستقلا حسب موضوعاته؛ تيسيرا للقراء، كما ظهر لي من قبل ديوان «مصريات» وديوان «وطن الفراعنة»، ولكني أخشى أن يؤدي ذلك إلى كثرة تآليفي كثرة صناعية لا أحبها، وسأحاول في اعتدال تلبية اقتراحهم هذا كلما وجد داع خاص إلى ذلك.
ولا أود أن أثقل هذه المجموعة الصغيرة بتصدير طويل؛ فأكتفي بأن أعزز توكيدي لصفات الشعر المستقلة توكيدا لا ينافي شغفي الشخصي بالموسيقى، التي ينبض بها شعري نبضا ذاتيا في صميم بنيته لا في بهرج صناعته؛ فالموسيقى الشعرية يجب أن تكون أصيلة، مرادفة للمعاني، متغلغلة في بيانها، لا أن تكون صورا من الترديد الإيقاعي الرنان الذي لا يصحبه شيء من صدق العاطفة، أو عمق الفكرة، بل كله ضحولة وسفسطة كلامية. ورحم الله ابن سعيد المغربي، صاحب «عنوان المرقصات والمطربات»؛ إذ قال عن علقمة الفحل: «معاني الغوص في شعر علقمة معدومة، وأقرب ما وقع له قوله:
أوردتها وصدور العيس مسنفة
والصبح بالكوكب الدري منحور
يشير إلى أن كوكب الصبح مثل سنان الحربة طعن به فسال منه دم الشفق، وإذا تبين هذا المعنى كان من المرقصات، وقوله:
يحملن أترجة نضح العبير بها
كأن تطيابها في الأنف مشموم
يشير إلى أن ما نال هذه المرأة من مضض السير واصفرار لونها كالأترجة، وأنها ما تحركت تزيد طبيا خلافا للتحرك البشري، ومنه أخذ ابن الرومي وغيره تشبيه المرأة بالروضة لطيب ثغرها.»
رحم الله ابن سعيد المغربي الذي يقول مثل هذا القول في القرن السابع للهجرة عن علقمة الفحل قرين امرئ القيس، حينما لا نستطيع أن نقول بعض ذلك في القرن الرابع عشر الهجري عن الناظمين المزماريين، الذين استولى بعضهم على الصحافة بحكم وظائفهم أو علاقاتهم السياسية، وكادوا يدعون ملكية الشعر العربي قديمه وحديثه على السواء!
إن الشعر كغيره من الفنون ملكة فطرية يصقلها الاطلاع والتأمل، ولكنه قبل كل شيء، وبعد كل شيء، ملكة فطرية، ولا فائدة لمن ليست له هذه الملكة في أن يتحايل عليها بالإيقاع والرنين الصناعي الذي ليست له بنية شعرية أصيلة، كما أنه لا فائدة ممن ليست له طبيعة مفكرة في أن يتظاهر بذلك في لغة الإبهام والتهويل والنعيب.
