el-Komedya'l-Ardıyye
تأليف
زكي نجيب محمود
عند سفح الجبلهو جبل شاهق، يعلو بقمته على مستوى السحاب، فلئن اعتاد أهل الأرض أن ينظروا إلى السحاب منسابا فوق رءوسهم، فأهل تلك القمة العالية ينظرون إليه صاعدا أو هابطا تحت أقدامهم؛ إذ لا يجاوز ثلاثة أرباع الجبل صعودا، حتى إذا ما كثف الغمام نظر الواقف هنالك، فإذا هو على جزيرة ناتئة حولها بحر من دخان، تتدافع أجزاؤه في صمت، كأنه الموج الأخرس، يرتفع حينا ويهبط حينا، وهو في معظم الحالات من الكثافة بحيث يستحيل على ساكن القمة العالية أن يرى شيئا من السفح، وقليلا ما يصفو الفضاء فيتبدى سفح الجبل من أعلاه إلى أدناه، بصخوره البارزة الغليظة، وشعابه الخشنة الممزقة.
فالقمة مشمسة طيلة النهار سماؤها صحو أبدا، وعليها قامت قرية صغيرة أمرها عجب؛ فهي نظيفة البيوت نظيفة الشوارع، نعم إن شوارعها ملتوية كالأفاعي، تكاد لا تستقيم في موضع، إلا أنها مرصوفة كلها، نظيفة كلها، وعلى جوانبها صفوف من المنازل الجميلة الأنيقة، مختلفة الطرز منسقة البساتين، وأهل القرية على درجة ملحوظة من نظافة الثياب وسلامة الذوق، وإن يكن مما يلفت النظر فيهم بدانة وترهل وبطء حركة.
ولست ترى هنالك خدما ولا دكاكين؛ فتعجب من أين تأتيهم حاجاتهم؟ ومن ذا يعاونهم على تنظيف الشوارع والبيوت؟ ولذلك قلما تسمع في طرقاتها صوتا، ومن النادر أن ينبعث صوت من هذا البيت أو ذاك، بل قليلا ما يصادفك في أنحائها رائح أو غاد، كأنهم جميعا قد قروا في بيوتهم لا يبرحونها لنزهة أو عمل.
هكذا كانت الحال كما وصفها محدثي الرحالة، وكما بدت له عند أول صعوده ذلك الجبل إلى قمته، ثم ما لبث أن التقى من أهل القرية برجل، قصد إلى لقائه بتوصية من صديق، حتى تبين له - بهداية هذا الزميل - نشاط عجيب حاد عنيف داخل الجدران؛ ذلك أن هذه القرية كثيرة النوادي، كثرة ليس لها نظير فيما نعرف من مدن الأرض الواقعة في مستوى البحر، ومن تلك النوادي ما هو خاص، ومنها ما هو عام، لكن النوادي الخاصة هي التي كانت موطن النشاط العجيب الذي أشرنا إليه، وهي صنوف مختلفة، منها النوادي السياسية، والاجتماعية والثقافية، والرياضية وغير ذلك، بل قد يختص النادي الواحد بناحية غريبة واحدة لا يتعداها بنشاطه، فمن أمثلة ذلك ناد لسباق الأرانب وناد لتدخين النرجيلة، وناد لصيد البط، وآخر لصيد الإوز وهكذا.
وأخذ يصف لي محدثي الرحالة ما لقيه في نوادي القرية وهو بصحبة دليله، فهذا ناد سياسي، تدخل من بابه الخارجي إلى البهو، فلا حركة ولا صوت، صمت شامل وهدوء جميل، حتى إذا ما انفتح لك باب غرفة الاجتماع، جاءتك الأصوات كالرعود. ويقول محدثي: إن أول ما عجبت له عندما دخلت مع دليلي متسللا على أطراف قدمي، أني رأيت أصحاب الأبدان السمينة والحركات البطيئة والأطراف المسترخية، قد دبت فيهم حرارة المناقشة كأنها شعلة من نار؛ فالوجوه محتقنة، والعيون محمرة، والأجسام متحفزة، والأطراف مرتعشة، وكانت كلمة «الشعب» أكثر الكلمات ورودا في مناقشاتهم الحادة الحارة. وقد سألت نفسي عندئذ: أي «شعب» يا ترى يقصدون؟ لأنني لم أجد في القرية شعبا بقدر ما وجدت سادة، أفيكون هذا المجتمع الغريب رأسا بلا بدن ؟ لكنني لم أطل التفكير في هذا وما كنت لأستطيع أن أطيله؛ لأن شدة التحمس ترغم السامع إرغاما على مسايرة الحديث، وهم يتراشقون فيه بالحجج كأنها الحجارة أو أشد صلابة، ويظلون كذلك حتى يفوتهم أوان الغداء إن كان الوقت نهارا، وأوان العشاء إن كان الوقت ليلا، وهنا كذلك سألت نفسي: من أين لهؤلاء الزاهدين في الطعام هذه الأبدان السمينة؟ لكنني مرة أخرى لم أطل التفكير في هذا، وما كنت لأستطيع أن أطيله؛ لأنني إزاء تيار دافق من الكلام، يستحيل معه لإنسان أن يقف لحظة واحدة يفكر أثناءها لنفسه في هذا أو ذاك مما عساه أن يستوقف نظره أو سمعه.
