el-Kur'ân fi'l-fikri'l-İslâmî
بقلم الأستاذ / ماجد بن هاشم المتوكل
---------
الحلقة الأولىمدخل تاريخي:-مسألة خلق القرآن - الذي هو كلام الله - من أبرز وأشهر المسائل الكلامية وأكثرها خصوصية وحساسية في تاريخ الفكر الإسلامي بشكل عام، وعلم الكلام بشكل خاص مع أنها فرع وليست أصلا كونها تندرج تحت أصل التوحيد لدى العدلية، وخصوصيتها تعود إلى ما قيل في إحدى التفسيرات من أن علم الكلام سمي بهذا الاسم نسبة إلى موضوعها الأساسي الذي دار حوله خلاف فكري حاد بين المسلمين وهو ( كلام الله عزوجل هل هو مخلوق أم غير مخلوق؟).
أما شهرتها وحساسيتها - دون غيرها من مسائل ومباحث أصول الدين وعلم الكلام - فتعود إلى تلك الأحداث التاريخية المأساوية التي عرفت في كتب التاريخ بالمحنة، واختلط فيها الفكر بالسياسة، وكان لهذه الأخيرة دور رئيسي في إخراج المسألة من إطارها الفكري، وتأجيج الصراع بين المعتزلة وأهل الحديث، وإشعال الفتنة والعداء الفكري بينهما الذي امتد للأسف الشديد وألقى بظلاله بعد ذلك على سائر المسلمين ومدارسهم سواء بالموافقة لهذا الطرف (فكريا) أو ذاك.
إثر تدخل الدولة السافر آنذاك - ممثلة في الخلفاء العباسيين بدءا بالمأمون عام 218ه - لحسم الخلاف والصراع الفكري بالقوة لصالح هذا الطرف ضد ذاك ثم العكس زمن المتوكل العباسي عام 232ه - من خلال ممارسات قمعية علنية بدأت أحداثها من زمن الخليفة العباسي المأمون الذي عرف بميله إلى مذهب المعتزلة ومنهجهم العقلي، فقربهم - بعد كبت واضطهاد فكري وقمع سياسي سابق - وتبنى مذهبهم وآراءهم - بعد أن كان محظورا عليهم نشرها أو الإعلان عنها - وقلد أحد رجالاتهم القضاء والوزارة، ( وهو القاضي المعتزلي أحمد ابن أبي داود)، وفي عام 218ه كتب كتابا بإيعاز ابن داود - إلى ولاته وعماله على الأمصار والأقاليم يأمرهم فيه بأن يحملوا الناس على القول ب ( خلق القرآن)، ويمتحنوا القضاة والمحدثين والفقهاء في ذلك،... الخ.
وبدأت المأساة بعقدة لتلك المجالس في بغداد لامتحانهم ومناظرتهم والتي يشرف عليها ويعقدها بعد ذلك ابن أبى داود ليتعرض الكثيرون للجلد والسجن وقطع الأرزاق، وبلغ الأمر حد قتل البعض وقد أجاب منهم من أجاب خوفا ورهبه وامتنع آخرون ومنهم الإمام احمد بن حنبل،واستمرت تلك السياسة والمحاكمات في عهد المعتصم ثم الواثق وبإشراف من أبي داود قرابة أربعة عشر عاما انتهت عام 232ه، عرفت في تاريخ الفكر الإسلامي ب( محنة خلق القرآن)بعد أن طالت سنواتها واشتد الأمر فيها على أهل الحديث وطغت مظاهر الاضطهاد والقمع والتنكيل بالعلماء وازداد خلالها سخط العامة ونقمتهم وكراهيتهم للمعتزلة وانعكس ذلك وبشده على موقفهم من فكر المعتزلة والآراء الكلامية ومسألة خلق القرآن بشكل خاص ناهيك عن كونها من المسائل الكلامية التي يصعب عليهم فهمها واستيعابها وإدراك موضوعها الكلامي وهضم أدلتها العقلية ما يجعلهم يرفضونها وينفرون منها فما بالك وقد فرضت عليهم بالقوة وتعرض للجلد والسجن بسببها صلحاؤهم وعلماؤهم من أهل الفقه والحديث الذين هم اكثر ارتباطا بهم وتأثيرا عليهم وانقيادا لهم.
