el-Kütübü'l-erbaa
|
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله المحمود لنعمته المعبود لقدرته، المطاع في سلطانه المرهوب لجلاله، المرغوب إليه فيما عنده، النافذ أمره في جميع خلقه، علا فاستعلى ودنا فتعالى، وارتفع فوق كل منظر، الذي لا بدء لأوليته، ولا غاية لأزليته، القائم قبل الأشياء، والدائم الذي به قوامها، والقاهر الذي لا يؤوده حفظها والقادر الذي بعظمته تفرد بالملكوت وبقدرته توحد بالجبروت، وبحكمته أظهر حججه على خلقه. اخترع الأشياء إنشاء، وابتدعها ابتداء، بقدرته وحكمته، لا من شئ فيبطل الاختراع ولا لعلة فلا يصح الابتداع، خلق ما شاء كيف شاء، متوحدا " بذلك لإظهار حكمته، وحقيقة ربوبيته، لا تضبطه العقول، ولا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأبصار، ولا يحيط به مقدار، عجزت دونه العبارة، وكلت دونه الأبصار، وضل فيه تصاريف الصفات.
احتجب بغير حجاب محجوب، واستتر بغير ستر مستور، عرف بغير
رؤية، ووصف بغير صورة، ونعت بغير جسم، لا إله إلا الله الكبير المتعال، ضلت الأوهام عن بلوغ كنهه، وذهلت العقول أن تبلغ اية نهايته، لا يبلغه حدوهم، ولا يدركه نفاذ بصر، وهو السميع العليم، احتج على خلقه برسله، وأوضح الأمور بدلائله، وابتعث الرسل مبشرين ومنذرين، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة، وليعقل العباد عن ربهم ما جهلوه، فيعرفوه بربوبيته بعدما أنكروه، ويوحدوه بالإلهية بعد ما أضدوه أحمده، حمدا " يشفي النفوس، ويبلغ رضاه ويؤدي شكر ما وصل إلينا، من سوابغ النعماء، وجزيل الآلاء وجميل البلاء.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلها " واحدا " أحدا " صمدا " لم يتخذ صاحبة ولا ولدا " وأشهد أن محمدا " صلى الله عليه وآله عبد انتجبه، ورسول ابتعثه، على حين فترة من الرسل وطول هجعة من الأمم وانبساط من الجهل، واعتراض من الفتنة وانتقاض من المبرم وعمى عن الحق، واعتساف من الجور وامتحاق من الدين.
وأنزل إليه الكتاب، فيه البيان والتبيان، قرآنا " عربيا " غير ذي عوج لعلهم يتقون، قد بينه للناس ونهجه، بعلم قد فصله، ودين قد أوضحه، وفرائض قد أوجبها، وأمور قد كشفها لخلقه وأعلنها، فيها دلالة إلى النجاة، ومعالم تدعو إلى هداه.
فبلغ صلى الله عليه وآله ما ارسل به، وصدع بما أمر، وأدى ما حمل من أثقال النبوة، وصبر لربه، وجاهد في سبيله، ونصح لامته، ودعاهم إلى النجاة، وحثهم على
الذكر ودلهم على سبيل الهدى من بعده بمناهج ودواع أسس للعباد أساسها ومنائر رفع لهم أعلامها، لكيلا يضلوا من بعده، وكان بهم رؤوفا " رحيما ".
فلما انقضت مدته واستكملت أيامه، توفاه الله وقبضه إليه، وهو عند الله مرضي عمله، وافر حظه، عظيم خطره، فمضى صلى الله عليه وآله وخلف في أمته كتاب الله ووصيه أمير المؤمنين، وإمام المتقين صلوات الله عليه، صاحبين مؤتلفين، يشهد كل واحد منهما لصاحبه بالتصديق، ينطق الامام عن الله في الكتاب، بما أوجب الله فيه على العباد، من طاعته، وطاعة الإمام وولايته، وواجب حقه، الذي أراد من استكمال دينه، وإظهار أمره، والاحتجاج بحججه، والاستضاءة بنوره، في معادن أهل صفوته ومصطفى أهل خيرته فأوضح الله بأئمة الهدى من أهل بيت نبينا صلى الله عليه وآله عن دينه وأبلج بهم عن سبيل مناهجه وفتح بهم عن باطن ينابيع علمه، وجعلهم مسالك لمعرفته، ومعالم لدينه، وحجابا " بينه وبين خلقه، والباب المؤدي إلى معرفة حقه وأطلعهم على المكنون من غيب سره.
