el-Luga ve'd-din ve't-tekalid fi hayati'l-istiklal
الإهداء
اللغة والدين والعادات
الإهداء
اللغة والدين والعادات
اللغة والدين والتقاليد في حياة الاستقلالتأليف
زكي مبارك
الإهداءإلى فضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي أهدي هذه الصحائف، تحية من رجل يضمر له أصدق الود، ويعرف فضله في إعزاز اللغة والدين، ومحمود التقاليد.
المخلص
محمد زكي عبد السلام مبارك
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على جميع الأنبياء والمرسلين.
أما بعد، فهذا بحث أدرت معانيه في ذهني أسبوعين، ثم كتبته في سهرتين، وأنا أقدمه إلى الجمهور قبل أن أقدمه إلى لجنة التحكيم في المباراة الأدبية، أقدمه سمحا سهلا كما فاض به الطبع، بلا توشية ولا تنميق.
ولا يكن كل همي حين أنشأته أن أظفر بالجائزة الأولى، وهي مرصعة بمائة دينار، تعود على مثلي بأجزل النفع، وإنما كان أكبر همي أن تصل بعض آرائي إلى آذان قومي، وهذا مغنم ليس بالقليل.
وإني أعتذر عما اصطنعت من الإيجاز، فقد ضاق الوقت، وصرفتني الشواغل عما كنت أريد من الإطناب، وجهد المقل غير قليل.
زكي مبارك
مصر الجديدة في 12 المحرم سنة 1355 / 4 أبريل سنة 1936
اللغة والدين والعاداتباعتبارها من مقومات الاستقلال
الدين واللغة والعادات من الظواهر التي يتصل بعضها ببعض أشد اتصال، ومن المؤكد أن اللغة تخضع في بعض ألوانها للدين والعادات، وقد يكون في صورها القديمة ما يؤثر في الدين والتقاليد، وهذه الظواهر الثلاثة تبدو مختلفة بعض الاختلاف، ولكنها عند التأمل ترجع إلى أصل واحد، هو التعبير عن الخلائق الأدبية؛ فاللغة مظهر من مظاهر الأناقة والدقة في الإفصاح، والدين صورة العقيدة التي يحيا بها الناس، والعادات مظاهر لما تأصل من كريم الشمائل والخلال.
فالإنسان المهذب تقوم حياته الأدبية على لسان فصيح، ودين حق، وعادات كريمة، تصل بينه وبين الأقربين من إخوانه في الوطنية، وقد تسمو فتصل بينه وبين الأبعدين من إخوانه في الإنسانية.
ونريد في هذا البحث أن نخص كل عنصر من هذه العناصر الثلاثة بشيء من البيان، فنقول:
اللغة في ذاتها شخصية استقلالية، فالذي يعبر بلغته يشعر بالقوة، وتنطبع نفسه على حب الكرامة والاستقلال، ويزيد هذا المعنى وضوحا ما نشعر به حين نضطر ونحن في بلادنا إلى التفاهم مع بعض الأجانب بغير العربية، فإننا حين ذاك نشعر بالتخلف، ونوقن بأن سلطاننا في العالم سلطان ضعيف، فقد يجيء الأجنبي إلى مصر، ثم تمضي عليه الشهور والأعوام بدون أن تقهره الظروف على تعلم العربية، ويكون معنى ذلك أن مصر ليست ملكا خالصا للمصريين، فإن الرجل لا يستطيع أن يتخذ باريس أو لندن أو برلين مقاما بدون أن يتعلم الفرنسية أو الإنجليزية أو الألمانية، ولكنه يستطيع أن يتخذ القاهرة مقاما بدون أن يتعلم العربية؛ لأن في القاهرة عصبيات أجنبية لها مدارس ومكاتب وجرائد ومسارح ومنتديات، ويستطيع الفرنسي أو الإنجليزي أن يعيش فيها سنين عددا وهو لا يتكلم غير الفرنسية أو الإنجليزية، وهو يستطيع بقوته الاستقلالية أن يقهر المصريين على مخاطبته بلغته الأصلية، ثم لا يستطيعون هم أن يقهروه على مخاطبتهم باللغة العربية.
