el-Ma'kul ve'l-lama'kul fi Türasina'l-fikri
تأليف
زكي نجيب محمود
الإهداءإلى زوجتي ...
مقدمةكنت في كتابي «تجديد الفكر العربي» قد طرحت هذا السؤال: كيف السبيل إلى ثقافة نعيشها اليوم، بحيث تجتمع فيها ثقافتنا الموروثة مع ثقافة هذا العصر الذي نحياه؛ شريطة ألا يأتي هذا الاجتماع بين الثقافتين تجاورا بين متنافرين، بل يأتي تضافرا تنسج فيه خيوط الموروث مع خيوط العصر نسج اللحمة والسدى؟ ثم حاولت أن أقدم عن هذا السؤال جوابا، إلا يكن هو الجواب القاطع، فلا أقل من أن يكون جوابا محتمل الصواب؛ لعله يثير الفكر عند آخرين، فيصححونه ويكلمونه، وكان جوابي عندئذ هو أن نأخذ عن الأقدمين وجهات النظر بعد تجريدها من مشكلاتهم الخاصة التي جعلوها موضع البحث؛ وذلك لأنه يبعد جدا - لتطاول الزمن بيننا وبينهم - أن تكون مشكلات حياتنا اليوم هي نفسها مشكلاتهم، وإذن لم يعد يجدي أن أحصر بحثي في مشكلاتهم التي طويت موضوعاتها طيا، ولكن الذي قد يعود علينا بالنفع العظيم، من حيث الحفاظ على كيان لنا عربي الخصائص، هو أن ننظر إلى الأمور بمثل ما نظروا، أو قل بعبارة أخرى: أن نحتكم في حلولنا لمشكلاتنا إلى المعايير نفسها التي كانوا قد احتكموا هم إليها.
ولقد زعمت في محاولتي تلك أن النظرة العقلية، برغم اختلاطها بكثير جدا من عناصر اللاعقل، كان لها شيء من الظهور عند آبائنا من العرب الأقدمين؛ بمعنى أنهم كلما صادفتهم مشكلة جماعية التمسوا لحلها طريقة المنطق العقلي في الوصول إلى النتائج، وكادت النزعة اللاعقلية العاطفية عندهم أن تقتصر على الحياة الخاصة للأفراد؛ فلقد كانت لهم في طرائق العيش الاجتماعي «حكمة» - والحكمة إنما هي نظرة عقلية مكثفة - وما زلنا إلى يومنا هذا نرتد إلى حكمتهم هذه، فترد على ألسنتنا - من محفوظنا - روائع مما قالوه في ذلك شعرا ونثرا، وكأننا كلما نطقنا برائعة من تلك الروائع قد أسرجنا مصباحا يناسب الموقف المعتم الذي أحاط بنا، فنهتدي في مواجهته إلى طريق؛ نعم قد كان لهم إلى جانب نظراتهم المعقولة العاقلة شطحات للوجدان، لكن جانبا من هذين لا ينفي جانبا.
وقد أردت بهذا الكتاب الذي بين يديك أن أقف مع الأسلاف - في نظراتهم العقلية وفي شطحاتهم اللاعقلية كليهما - فأقف معهم عند لقطات ألقطها من حياتهم الثقافية؛ لأرى: من أي نوع كانت مشكلاتهم الفكرية، وكيف التمسوا لها الحلول، لكنني إذ فعلت ذلك، لم أحاول أن أعاصرهم وأتقمص أرواحهم لأرى بعيونهم وأحس بقلوبهم، بل آثرت لنفسي أن أحتفظ بعصري وثقافتي، ثم أستمع إليهم كأنني الزائر جلس صامتا لينصت إلى ما يدور حوله من نقاش، ثم يدلي فيه بعد ذلك - لنفسه ولمعاصريه - برأي يقبل به هذا ويرفض ذاك.
