el-Medaihu'n-nebeviyye fi'l-edebi'l-Arabi
تأليف
زكي مبارك
الإهداءإلى حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ مصطفى عبد الرازق.
أهدي هذا الكتاب، تحية لمودة غالية دامت عشرين عاما، فلم يزدها تقادم العهد إلا قوة إلى قوة، وصفاء إلى صفاء.
المخلص
زكي مبارك
مصر الجديدة في 27 رجب سنة 1354ه
25 أكتوبر سنة 1935م
قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا .
فاتحة الكتابباسمك اللهم أفتتح هذا الكتاب، ومنك وحدك أنتظر حسن الجزاء.
أما بعد؛ فهذا كتاب لم يكن ظهوره في الحسبان، فهو في الأصل باب من كتاب قدمته إلى الجامعة المصرية عن «أثر التصوف في الأدب والأخلاق»، وألفت لدرسه لجنة مكونة من الدكتور منصور فهمي، والأستاذ مصطفى عبد الرازق، والدكتور عبد الوهاب عزام، ورأت هذه اللجنة أن الباب الخاص بالمدائح النبوية خليق بأن يظهر مستقلا عن الأصل بعض الاستقلال، وكان هذا الاقتراح فرصة تلقفتها في نشوة الجذلان؛ لأني كنت أشعر أن المدائح النبوية في الأدب العربي تستأهل الظهور في كتاب خاص.
ومن الخير أن أصارح القارئ بأن هذه الفصول نسخت نسخا من الكتاب الأصيل، فلم يحذف منها شيء، ولم يضف إليها شيء؛ لأني قدمتها إلى المطبعة في أيام كانت كلها شواغل، ولأني آثرت أن تظهر كما فاض بها القلب، فلا يفسدها تأنق، ولا يزورها تنميق.
والحق أني لا أستطيع أبدا أن أكتب البحث الواحد مرتين؛ لأني أنتزع أدبي من ثورة العقل والقلب، وقد درست نفسي مرات كثيرة؛ فرأيت السهم الأول أنفذ في جميع الأحيان، ورأيت معاودة الصقل والتهذيب ضربا من الزخرف لا تسيغه طبيعة فطرت على الثورة والاقتحام.
وإني لأعترف بأني مأخوذ بنشوة النصر وأنا أقدم هذا الكتاب إلى القراء، فما كنت أحسب أن الزمان سينصفني هذا الإنصاف؛ فأكون أول من يرسم خصائص المدائح النبوية في الأدب العربي، وهو موضوع كان يجب أن تعين رسومه وحدوده منذ أزمان.
وقد تلقيت جزائي سلفا على تحبير هذه الفصول، فلن أنسى ما حييت تلك التحيات الطيبات التي تلقيتها من الدكتور منصور فهمي، والأستاذ مصطفى عبد الرازق، والدكتور عبد الوهاب عزام، ومن قبل هذا أنست بموضوع البحث، فكان ذلك الأنس أفضل جزاء.
وأي أنس أعظم من شغل النفس بتلك الأقباس الروحانية التي بثها نبي الإسلام في أرجاء الوجود؟
إن ذلك الروح القهار، روح الرجل الذي اتهمه معاصروه بالشعر والسحر والجنون، إن ذلك الروح هو شعلة أبدية ستظل ما بقيت الأرض والسماء فتنة للعقول والقلوب، وسيأتي زمان يرتاب فيه الناس في مكانة محمد بن عبد الله من التاريخ، وسيقول قوم إن شمائل ذلك الرجل أقوى وأخطر من أن يسمح بمثلها الوجود، وسيقولون إنه لم يكن إلا رمزا تمثل به الناس كيف تكون مكارم الأخلاق.
