el-Mesâbîhu's-sâtıa
مقدمة
الحمد لله الذي جعل القرآن نورا هدانا به من ظلمات الضلالة، ورحمة وشفاء من داء كل عمى وجهالة، ونجاة لمن اعتصم به وبأهله الذين دل عليهم بأوضح دلالة، وجعله جل وعلا لمن عقل واهتدى دليلا على من اليه هدى، ومبينا لقدرة من قدره، وشاهدا على حكمة من دبره.
وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له في حكمه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله الذين هم عيبة علمه اصطفاهم لإرث وحيه، فخصهم باستخراج حكمه، وجعلهم حفاظ كتابه وأحكامه، وخزان حلاله وحرامه، والمستحفظين على أسراره وغوامضه، والقائمين بنشر مسنوناته وفرائضه، والعالمين بطرق الصواب مما اختلف فيه المختلفون، والمبينين للصحيح الذي تقول فيه المتقولون، إذ هم الدعوة الباقية في عقب ابراهيم الخليل مهبط التنزيل، وملجأ التأويل، ومختلف ميكائيل وجبريل.
وبعد:
فإنه لما كان كتاب الله العزيز كذلك، وكانت حكمته عزوجل اقتضت انزاله على الأساليب العربية والمعاني اللغوية، وفيها العام والخاص والمجمل والمبين، والظاهر والمأول، ومايحتمل وجها، ومايحتمل وجهين فأكثر، وماتتشابه فيه المعاني وتتعدد فيه الوجوه، ولذلك من لم يتبع سبيل أعلام الهدى، وأرباب التقى أهل بيت محمد المصطفى، صلوات الله عليه وعليهم وسلم فسر الكتاب على آرائه، والحق على أهوائه، فعمي وعمى على غيره، وضل وضل غيره بسببه، وترى المنتصر يصرف الأدلة بمجرد العبارات، ويتطلب للتأويلات حتى يقوم الأدلة الى مساق هوى النفس، فيقربها اليه، ويعتمد في دينه ودنياه عليه، لايلوح لأعين البصائر فيه إلا كلمعان البروق، وترقرق فيه لأهل الأهواء والأغاليط أقاويل تروق.
--- ولقد قال أمير المؤمنين عليه صلوات رب العالمين:(سيأتي بعدي زمان ليس فيه شيء أخفى من الحق، ولاأظهر من الباطل، ولاأكثر من الكذب على الله ورسوله، وليس عند أهل ذلك الزمان سلعة أبور من الكتاب إذا تلي حق تلاوته) يريد عليه السلام إذا اتبع حق اتباعه كذا عن زيد بن علي عليه السلام (ولاأنفق منه إذا حرف عن مواضعه) اه.
قال بعض أئمتنا عليهم السلام: والتحريف على وجهين أحدهما: تحريف ماأنزل الله لفظا كما يفعله اليهود.
والثاني: تحريفه تأويلا كما يفعله أهل البدع والأهواء، فيجب التثبت في ذلك لئلا يضل بضلالهم، ويجب الإقتداء بمن أمر الله الإقتداء بهم، والكون معهم من آل رسول الله صلى الله عليه وعليهم السلام لإنه صلى الله عليه وآله وسلم قد أمننا من الضلال مهما تمسكنا بهم، إذ أخبرنا وهو الصادق في خبره أن المتمسك بهم لن يضل أبدا، وأن اللطيف الخبير نبأه بذلك
