el-Mes'eletu's-Sudaniyye
تأليف
عمر طوسون
بسم الله الرحمن الرحيم
أما بعد، فقد بسطنا المسألة السودانية بين مصر وإنجلترا أكثر من مرة فيما كتبناه ونشرناه باللغتين العربية والإنجليزية، في الصحف المصرية والبريطانية، أو في مذكرات خاصة وزعناها على رجال الحكومة الإنجليزية وأعضاء البرلمان البريطاني. وكان كل هذا منا لغاية واحدة هي حل مسألة السودان بين مصر وإنجلترا، حلا عادلا منطبقا على مبادئ الإنصاف والحق.
ولما كان هذا الوقت من أنسب الأوقات لإظهار مسألة السودان في صورتها الحقيقية بذكر الأدوار التي مرت بها، حيث تجري المفاوضات الآن أو المحادثات الرسمية بين الوفدين المصري والبريطاني في القاهرة، تمهيدا للمفاوضة النهائية بين مصر وإنجلترا في المسائل المحتفظ بها، ومن أهمها المسألة السودانية؛ رأينا أن نعيد الكرة ونرسل إلى أعضاء البرلمان الإنجليزي مذكرة أخرى في هذا الموضوع؛ ليكونوا على علم بالأدوار التي مرت بالمسألة السودانية منذ الاحتلال الإنجليزي إلى الآن.
وقد طبعنا هذه المذكرة الأخيرة باللغة الإنجليزية، ووزعناها على أعضاء البرلمان الإنجليزي وعلى الصحف البريطانية؛ إيقافا للرأي العام هناك على حقيقة هذه المسألة، وتنويرا لجمهور الشعب الإنجليزي الذي يقدس مبادئ الحرية للشعوب المظلومة حسب المشهور عنه.
وبعد أن فرغنا من هذا لم نر بدا من ترجمة هذه المذكرة إلى اللغة العربية؛ ليقف عليها الرأي العام المصري أيضا، وليطلع عليها أعضاء الوفد المصري الرسمي وهم يتحادثون في المسائل المصرية والمسألة السودانية.
والله المسئول أن يجعل هذه المحادثات مفضية إلى الغاية المنشودة؛ حتى يستقر الأمر بين مصر وإنجلترا، ويحل بينهما الوئام والسلام.
عمر طوسون
مايو سنة 1936
الأدوار التي مرت بالمسألة السودانيةالدور الأول
تدخل إنجلترا في المسألة السودانية افتياتا منها وبلا دعوة من الحكومة المصريةلقد كانت إنجلترا تزعم قبل كارثة هكس باشا
Hicks Pasha
أنها لا تريد أن تتدخل في شئون السودان، وأنها لا تهتم بأمر هذا الإقليم أقل اهتمام. ولكن الأعمال التي جرت منها كانت مناقضة لأقوالها كما تثبت ذلك الوثائق الرسمية المنشورة بعد.
وأول تعرض منها لمسألته جاء في شكل مذكرة قدمها الكولونيل سير تشارلس ولسن
Colonel Sir Charles Wilson
إلى سير إدوارد مالت
Sir
Edward Malet
قنصل بريطانيا العام في مصر في يوم 29 سبتمبر سنة 1882م؛ أي بعد الاحتلال البريطاني لمصر بخمسة عشر يوما فقط. وهذه المذكرة التي كتبها الكولونيل المذكور عن الحالة في السودان قدمها بدافع من نفسه وبدون أي رغبة سابقة من الحكومة المصرية. ولم يتوان سير إدوارد مالت في إرسالها إلى إرل جرانفيل
