el-Mesh ale'r-ricleyn
بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر سأل بعض أهل مجلس الشيخ أبي عبد الله، محمد بن محمد بن النعمان رضي الله عنه، أبا جعفر المعروف بالنسفي العراقي (١).
فقال له: ما فرض الله تعالى من الوضوء في الرجلين؟
فقال: غسلهما.
فقال: ما الدليل على ذلك؟
فقال: قول النبي عليه السلام، وقد توضأ، فغسل وجهه، وغسل ذراعيه، ومسح برأسه وغسل رجليه، وقال: (هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به) (٢).
فقال له السائل: ما أنكرت على من قال: إنه لا حجة لك في الخبر،
لأنه من أخبار الآحاد، لا يوجب علما ولا عملا فقال له أبو جعفر: أخبار الآحاد عندي موجبة للعمل، وإن لم تكن موجبة للعلم. وأنا إنما أبني الكلام على أصلي دون أصل المخالف.
وتردد الكلام بينه وبين السائل في هذا المعنى ترددا يسيرا.
فقال الشيخ أبو عبد الله رضي الله عنه: أنا أسم بك العمل بأخبار الآحاد تسليم نظر، وإن كنت لا أعتقد ذلك، استظهارا في الحجة، وأبين أنه لا دليل لك في الخبر الذي تعلقت به، على ما تذهب إليه من فرض غسل الرجلين في الوضوء.
وذلك: أن قول النبي عليه السلام - إن صح عنه -: (هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به) مختص الحكم بذلك الوضوء الذي أشار إليه بقوله: (هذا) دون ما عداه من غيره، أو فعل نفسه؟
فالحكم بإيجاب ذلك، في أفعال غيره وأفعال نفسه، لما بعد، حكم جائز لا حجة عليه.
فلم يبين أبو جعفر معنى هذا الكلام، وقال - على ظن منه خلاف المراد فيه -: الوضوء اسم للجنس المشروع منه، والتعلق بحكمه على العموم حقيقة لا مجاز.
فقال له الشيخ: هذا كلام من لم يتأمل معنى ما أوردته عليه، وليس العبارة بالوضوء، عن جنس مشروع يمنع مما ألزمتك في التعلق بقول النبي عليه السلام، وثبت أن حكمك به على كل وضوء يحدث ليس بمأخوذ من حقيقة الكلام، وإنما هو دعوى لا تثبت إلا ببرهان بناء في الخبر (١)، ويكون خارجا عنه.
وذلك: أن قول النبي عليه السلام (هذا) لا يقع على معدوم، ولا الإشارة به إلا إلى موجود.
وإذا كان الأمر على ما ذكرناه، وجب أن يختص حكمه بنفس ذلك الوضوء الذي أشار إليه النبي عليه السلام، ويكون المراد بالصلاة المذكورة معه ما يقام به دون ما عداها.
فمن أين يخرج منه أن ما سوى هذا الوضوء مما يتجدد بفعل النبي عليه السلام؟ أو يكون وضوءا لغيره؟ فحكمه حكمه؟ بقياس عليه، أو بحجة تعقل، أو بمفهوم اللفظ.
وإذا لم يكن للقياس في هذا مجال، ولا للعقل فيه مدخل، ولم يفده اللفظ، لم يبق إلا الاقتراح فيه، والدعوى له بغير برهان.
فقال أبو جعفر: قد ثبت أنه إذا كان حكم وضوء النبي عليه السلام ذلك، وأن الله تعالى لا يقبل صلاته إلا به، وجب أن يكون حكم غيره كحكمه فيه، إذ ليس في الأمة من يفرق بين الأمرين، فزعم أن للنبي صلى الله عليه وآله وضوءا على انفراده، وللأمة وضوء على حياله.
