el-Metâliu'l-bedriyye
تهدف هذه السلسلة بعث واحد من أعرق ألوان الكتابة في ثقافتنا العربية، من خلال تقديم كلاسيكيات أدب الرحلة، إلى جانب الكشف عن نصوص مجهولة لكتاب ورحالة عرب ومسلمين جابوا العالم ودونوا يومياتهم وانطباعاتهم، ونقلوا صورا لما شاهدوه وخبروه في أقاليمه، قريبة وبعيدة، لا سيما في القرنين الماضيين اللذين شهدا ولادة الاهتمام بالتجربة الغربية لدى النخب العربية المثقفة، ومحاولة التعرف على المجتمعات والناس في الغرب، والواقع أنه لا يمكن عزل هذا الاهتمام العربي بالآخر عن ظاهرة الاستشراق والمستشرقين الذين ملأوا دروب الشرق، ورسموا له صورا ستملأ مجلدات لا تحصى عددا، خصوصا في اللغات الإنكليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية، وذلك من موقعهم القوي على خارطة العالم والعلم، ومن منطلق المستأثر بالأشياء، والمتهيء لترويج صور عن «شرق ألف ليلة وليلة» تغذي أذهان الغربيين ومخيلاتهم، وتمهد الرأي العام، تاليا، للغزو الفكري والعسكري لهذا الشرق. ولعل حملة نابليون على مصر، بكل تداعياتها العسكرية والفكرية في ثقافتنا العربية، هي النموذج الأتم لذلك. فقد دخلت المطبعة العربية إلى مصر مقطورة وراء عربة المدفع الفرنسي
لتؤسس للظاهرة الإستعمارية بوجهيها العسكري والفكري.
على أن الظاهرة الغربية في قراءة الآخر وتأويله، كانت دافعا ومحرضا بالنسبة إلى النخب العربية المثقفة التي وجدت نفسها في مواجهة صور غربية لمجتمعاتها جديدة عليها، وهو ما استفز فيها العصب الحضاري، لتجد نفسها تملك، بدورها، الدوافع والأسباب لتشد الرحال نحو الآخر، بحثا واستكشافا، وتعود ومعها ما تنقله وتعرضه وتقوله في حضارته، ونمط عيشه وأوضاعه، ضاربة بذلك الأمثال للناس، ولينبعث في المجتمعات العربية، وللمرة الأولى، صراع فكري حاد تستقطب إليه القوى الحية في المجتمع بين مؤيد للغرب موال له ومتحمس لأفكاره وصياغاته، وبين معاد للغرب، رافض له، ومستعد لمقاتلته.
وإذا كان أدب الرحلة الغربي قد تمكن من تنميط الشرق والشرقيين، عبر رسم صور دنيا لهم، بواسطة مخيلة جائعة إلى السحري والأيروسي والعجائبي، فإن أدب الرحلة العربي إلى الغرب والعالم، كما سيتضح من خلال نصوص هذه السلسلة، ركز، أساسا، على تتبع ملامح النهضة العلمية والصناعية، وتطور العمران، ومظاهر العصرنة ممثلة في التطور الحادث في نمط العيش والبناء والاجتماع والحقوق. لقد انصرف الرحالة العرب إلى تكحيل عيونهم بصور النهضة الحديثة في تلك المجتمعات، مدفوعين، غالبا، بشغف البحث عن الجديد، وبالرغبة العميقة الجارفة لا في الاستكشاف فقط، من باب الفضول المعرفي، وإنما، أساسا، من باب طلب العلم، واستلهام التجارب، ومحاولة الأخذ بمعطيات التطور الحديث، واقتفاء أثر الآخر للخروج من حالة الشلل الحضاري التي وجد العرب أنفسهم فريسة لها. هنا، على هذا المنقلب، نجد أحد المصادر الأساسية المؤسسة للنظرة الشرقية المندهشة بالغرب وحضارته، وهي نظرة المتطلع إلى المدنية وحداثتها
